طماطر … طماطر … تماضر الحسن

تماضر الحسن طبيب نفسي - بريطانيا

مستورة !!!!!

طماطر … طماطر …

سمعتها خافتة ضئيلة تأتي من خلفي وأنا واقفة مع شخص قرب كعبة أحلامي التي تحج اليها روحي كلما يمّمت قلبي شطر الوطن نهايات كل عام … كطير أنهكه الحنين الي مورد الضياء.. فيجمع سربه المكون من بنتيّ الصغيرتين وكومة حقائب محشوة احلام والوان … بعض من رحيق واحزان بحجم نيله…. ليل عاتي طويل نسجته احزان غربتي….ليل سيعشي عينيه شموس نيرات متوقدات.

كعبة احلامي هي كلية الطب… الكلية بنت الجامعة المعرفة بالألف واللام .. أم نخيل ست الإسم والريد والصبابات .. مرتع بواكير شبابي مرقد ذكرياتي والقلب حينها اخضر من جروف النيل..قلب خلي عفي مشرق مليان شخابيط ولخابيط احلي مايكون …لا عسيم ولا كعوجة ..الاصحاب والاحباب الرفقة والضحكات …الدمعات والشواكيش …الامتحانات والمكتبات ..اركان النقاش والليالي الشعرية …عزان سعيد ولافتات…شيراز عبدالحي والكولينغ كما يجب ان يكون… كافتيريا العاملين وبص الكلية والاعمام ..امين ودكانو ورقعة معاوية اعياد الميلاد وعتاب العشاق وجلسات الشرح والبري والعذاب…سبستيان الأنيق وتشذيبه العجيب لحدايق ونجايل الكلية ووجوده الشذي والمختلف بينا وضحكتو التي تشبه ضحك الاطفال …ميري وقهوتها التي تضع فيها من عبقها .. زنجبيلا معتق كحلمها الناعم بعودة ابنها المفقود في احراش الجنوب …فترتوي انت فقط من جراء شرب احدهم قربك …الخال ياسر الحسن والابتسامة الصبوح والقلب الاصم والحضن المفتوح حتي خلت يوما ان كل الرجال يجب ان يكونو مثله …رانيا عطا واسراء محمد عثمان وحسن عوض الله …. كلية الصيدلة وليالي المخمل مواشاة باحساس زي ضو الرتاين باقي نور.

المهم أنني آتي الي هذا المكان دايما في كل زيارة مع تغيره وتغير الشخوص … آتي وأجوس لا أعرف أحد ولايعرفني احد وانا التي كنت اسلم من خشم الباب لحدي الحارسة المتجهمة امام داخلية كرار للبنات … وبرضو بجي واحوم وانوح وافرح واقالد طيوف … إحساس وذكري كما الليالي المُقمِرات في بيد وخلاء …احساس لم يتغير مع تقادم السنوات ..

المهم ..

سمعته ثانية …
هي إنتي مش طماطر !!
إنتي مش طماطر بنية نعمة بت ام كلتوم ود جحا !!

وإلتفت …

سيدة كبيرة في سنها يطل وجهها من طرحة سوداء عصبتها باحكام حواليه … وجه نحيف هزيل مجعّد كل تجعيدة تنبض بقصة…. وعباية مغبرة استحال سوادها للون رمادي كئيب … ومدّت يد معروفة مشققة بتردد وخشية …. حينها ….

شيء حبيب حنين لامس قلبي …وبرقت صورتها كسهم اتي من العوالم التي اتعشق واحن ..

دفق من الذكريات من ايام بطعم قصب السكر .. اتهزيت وسجد لهذة السيدة فؤادي …تجاهلت يدها الممدودة بحذر وافردت لها حضنا بحجم قارة ..اهتز جسدها النحيل بين ذراعي واجهشت بالبكاء ..حجة ام صالح ..رفيقة امي ومساعدتها ..سكبت حنانها علينا لسنين واضاءت بمقلتيها طريقنا قبلت منها جبينا يندي عرقا تعرف رايحته ذاكرتي التي فرهدت وزهت زهو الحناء في كف العروس … قبلت يدها المرتعدة ..يدا كم اعطتنا واوفت طبخت وغسلت واطعمت ورتقت ثوبا انفتق …سقتها تحت ضل الشجر ..عشان اسالها من حالها ..وسالتها تحديدا من بنتها التي كانت من اجمل مارات عيناي حالكة سواد الجلد والشعر ..واسعة العينين ضحاكة وبسامة وهاظارة… كلامها زي درب الطير ينغمش في القلب

وين “مستورة” يمة
فنكست راسها …وطفرت دمعة من عينها ..
قلت ليها ماتت
قالت لي لا ..
سمح مالك ..
قالت لي “مستورة” (وقع ) فيهو الشجرة
ولقتها وين الشجرة دي ( سالتها بغباء وقد تدلي فكي كيف تقع شجرة في زول… البقعدو تحتها شنو )
قالت لي ..يابنيتي وقع فيهو الشجرة يعني (جنت) بعد ماولدت واسي مربطنو في البيت
ووقعت فيني انا الشجرة حينها
وين البيت دا يمّة
وورتني بيتها وين

سألتها الانتظار لحظة .. ورجعت للشخص الذي صادفت العناية الالهية انه كان ود دفعتنا في صيدلة وبسوق دواء لشركة تعمل تحديدا في ادوية الطب النفسي ووجدت ضالتي عنده …كنت انا مِلحاحة فسالته الحافاً وكان هو كريما زي عينة الخريف …ورجعت لام صالح وقلت ليها نمشي نشوف “مستورة” … قالت لي لحدي هناك ..قلت ليها لحدي اخر محل في العالم ..ولم اكن ادري ان اخر العالم كان فعلا اخر العالم ..

وإنطلقنا …

في آخر الدنيا هناك …وجبال كرري تكاد تبدو كاشباح .بيوت قصيرات وشمس تعامدت تذيب الاسفلت المهرشم ..اسفلت انقطع علي حين غرة ليدعني اقود في كثبان وتلال طالع نازل ..

لسع لقدام …
يا أم صالح يعني هو لسه في قدام .. وعندما شارفنا بقعة ما اشارت لي بالتوقف ..ونزلنا ..صبية صغار تحلقوا حولنا …وسيرونا لحدي خشم باب ام صالح… نفد صبر العجوز من الحاحهم فنهرتهم ..ويمكن كانو دايرين يدخلو يشوفو باقي (الشمار) مدفوعين بامهات واقفات بريسين الحيط …

دخلنا ..

ورأيتها …

راكوبة واقفة ترتعد وحيدة تحت الحر الغايظ هذا ورقراقها اكتر من ضلها تحنو عليها من فينة لأخري شجرة نيم لم يكفي ظلها الا لاشبار معدودات .. جواها في عنقريب اتدلدلت حبالو قاعدة “مستورة” الطفلةالحلوة النضيفة ام دما خفيف التي احب والتي استحالت بقدرة قادر الي سيدة مسنة هزيلة مربوطة (بسلبة) …تلظي قلبي واحترق كما احترق باطن قدمي من التراب التقول محمي في جهنم دا ..
ياللبؤس والله فقر وجهل تامرت معه طبيعة حانقة..

ذهان مابعد الولادة
Postpartum psychosis
نظرت الي الفتاة …وبرقت ابتسامة في عينيها …
دي منو دي يمة !!

قعدت جنبها ونطت “مستورة” لورا فزعة وفي عينيها جثم رعب وخوف رهيبين … حجة ام صالح كلمتها دي طماطر مابتذكريها ….

كدت اري عقلها وهو يبحث في داخل عتمته عن طماطر تلك … أين رأتها وماذا تعني لها …وإنتصرت انا

سحبني باقي وعيها من تلك اللجة ليضعني صوب ناظرها لتقول تماضر لا حولا … وإحتضتني وبكت وذبت أنا … انصهر كياني في حضن اعرف تفاصيله ككف يدي ..
حكت لي الكتير والكتير واحد راكب عدلو وباقيهو جزء من امانيها وفتات من روحها.

أولاً حررتها من قيدها وأتاني زوجها راجل زي صباح العافية وتحدثنا حديث كانت تقطعه “مستورة” بقهقهات لا معني لها وبخبطة في نص ضهري تكفي لوقف ابو الشهيق ….

اتت أمها بالطفلة الرضيعة صاحبة الأربعة أسابيع وأمرتها ان تعطيها ل”مستورة” تشمّها وتضمّها وترضعها تحت مسؤوليتي لاول مرة في حياتها …لقفتها “مستورة” وإحتصنتها والقمتها ثديها وهي تهز رجليها وتضحك في منظر يدمي القلوب … بعد ماانتهت التفتت وقالت لي شفتي بت ( ام لعاب ) الادوني ليها دي حلوة كيف
بس مامخيتنها كويس انا لازم اشيلها ( وأسرجها).

وقع نظري حينها علي جركانة كبيرة مختوتة جنب الراكوبة … أتت الحجة أم صالح وملت كورة من الجركانة …سايل داكن تسبح فيهو اشياء لم اعرف كنهها اخبرتني ام صالح ان هذة (محاية) عملها الشيخ ..

سألت الحجة الاّ تعطيها اياها ويكون افضل ان ارجعتها لصاحبها عله يحتاجها … وطلبت منها أن تعد كورة عصيدة بملاح مما تجيد هي صنعه وكوب من الماء القراح فقط ..

ربيط مامعانا ياام صالح
ضرب وسوط لا
وماتخلو ليها الشافعة براها ( عشان ماتسرجها) …الفكي يجي ويقرأ قرآن بس إذا هم عايزينو يجي بس لا لهذة المحاية الراكدة
والدواء في مواعيدو وكان زوج “مستورة” شاطر ومتعاون
واصبحت انا من رواد ذلك المكان لحدي مابقيت لا اثير إهتمام الصبية وصاحب الدكان الوحيد اليتيم الفي الحلة شديد التبسم والظرافة ..
بعد اسابيع من المساسقة .. وذات صباح هيّن وباش … فتحت لي “مستورة” الباب …. مقنّعة ومكسورة مساير …. نضيفة ( وبت السودان ) ريحتها تجيب الرايح وحاضنة ( نعمة) بتّها التي أسمتها علي الحبيبة أمي أنا .. كلامها موزون ورايق كعادتها … شاكرة ومقدرة …

ما أكثر السيدات ( البتقع فيهن الشجرة ) …. والبتجيهن كآبة وذهان مابعد الولادة … وما أقسي مايواجهن من معاملة …في حين ان تشخيصها واساليب تداويها كالشمس في رابعة النهار …
كفانا الله واياكم وقوع الشجر …ففي بلادنا ضحاياه يذوقون الأمرين بين سِندان المرض ومطرقة التداوي الغريب والدجل ونبذ المجتمعات.

*** للتنوية الأسماء غير حقيقية …أما القصة واقعية جدا ..

تماضر الحسن

طبيب نفسي – بريطانيا

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن