🎯 دروس موكب الكلاكلة

#ثورتنا_مستمرة

شهدت الكلاكلات يوم 15 يناير أول موكب منظم منذ بداية الانتفاضة، بعد سلسلة طويلة من المظاهرات الصغيرة والمتفرقة طوال الأسابيع الماضية. نظرا للتركيب الخاص للمنطقة ظهرت خلال الموكب العديد من الأمور الفريدة التي لم تتكرر في أي منطقة أخرى في العاصمة. دراستها والاستفاده من تجربتها تفيدنا في مواجهاتنا القادمة مع النظام.

🎯 فضاء العمليات

الأمر الأول هو تولي “قوات الاحتياطي المركزي” مهام القمع المباشر. لقد ظهرت بسياراتها المميزة وشاراتها العسكرية وسلاسل قيادتها وانزوت مليشيات جهاز الأمن التي كانت عصب القمع في كل المواكب السابقةِ
تقع الكلاكلات في موقع استراتيجي على الطريق القومي الذي يربط الخرطوم بالنيل الأبيض ومنها إلى جنوب السودان أو إلى غرب السودان بأكمله، إن أي تعطيل على هذا الطريق يعني فصل الحكومة عن 9 ولايات أخرى بصورة جزئية أو كاملة مما يجعل التظاهر فيها مسألة عسكرية تخص قطع طرق الأمداد أكثر منها حادثة سخط سياسي معتادة. وتوضيح الخطورة العسكرية للتظاهر في الكلاكلة يشمل أنها تحوي عددا من المنشآت الاستراتيجية : كل مستودعات الوقود المركزية ، قيادة شرطة الاحتياطي المركزي نفسها، منشآت التصنيع الحربي والمركز القومي للتحكم الكهربائي الذي يدير عمليات توزيع التيار للسودان كله، خزان جبل الأولياء للتوليد الكهربائي، وحدة الأقمار الصناعية التابعة لسوداتل والتي تتحكم بكل الاتصالات الهاتفية وشبكات النقال، وجويا يمر مسار هبوط كل الطائرات المدنية بمطار الخرطوم فوق سماء الكلاكلة، إضافة لمحاذاتها لسلاحي المدرعات والذخيرة بمنطقة الشجرة. بالنسبة للمخطط العسكري يكاد يكون هذا أخطر فضاء عمليات على الإطلاق في كل البلاد.

🎯القوى الإجتماعية
استعد النظام مبكرا بحشد آلياته وتكثيف طلعات استعراض القوة والرصد الأمني داخل الأحياء، ومنع الحافلات القادمة من بحري وامدرمان من التحرك منذ الساعة الثالثة والنصف.
بدأت التظاهرة في تمام الخامسة وسبعة دقائق من موقع طرمبة كونكورب القديمة التي تبعد 50 مترا فقط من مقر الشرطة الأمنية. والسبب في اندلاعها من تلك النقطة الغريبة هو محاولة جنود الاحتياطي المركزي تفريغ المنطقة غرب شارع اللفة الرئيسي من الباعة الجائلين، وهي نقطة تمركزهم الأساسية جوار مواقف مواصلات بحري والسوق العربي وكانت تلك ساعة الذروة التي يصل فيها الموظفون من قلب الخرطوم. اثناء التلويح بالعصي ووسط ذلك الزحام الرهيب هتف أحدهم “تسقط بس” فكأنه ضغط على فتيل اشتعال خفي: قفز بعض الباعة الجائلين وستات الشاي على العساكر بأيادهم العارية والماء المغلي وكانوا قريبين للغاية من تاتشرات الاحتياطي المركزي فكان من المستحيل استعمال البومبان، واستلم عدد من الطلبة الخريجين التابعين لحزبي المؤتمر السوداني والحزب الشيوعي ناصية الهتاف وانضم إليهم في لحظات الموظفون الساخطون القادمون لتوهم من رحلة منهكة من قلب العاصمة. في وسط ذلك الاضطراب والفوضى تحركت الارتكازات كلها لتلك المنطقة مما فتح المجال لاندلاع ما يقارب 7 تظاهرات مختلفة على طول الشارع من الجهتين الغربية والشرقية، لم يجد العساكر بدا من إطلاق الذخيرة الحية بكثافة وفي كل اتجاه. وهنا ظهرت صدفة أخرى.
انسحبت قوات الاحتياطي لمكان التظاهرة أدى لعزل بكاسي الأمن عن التاتشرات فتم استهدافها بالطوب بعنف شديد وسقط اثنان منهم على الاسفلت فسحبهما الثوار إلى شرق الشارع وانتزعوا الشالات والطبنجات وقاموا بتصويرهم ثم اطلقوا سراحهم.
في نفس الوقت تسببت الفوضى في تصرفات عشوائية من قوات الأمن التي قامت بطرد كل الحافلات والركشات من السوق كله وطاردت المواطنين الذين كانوا في انتظار المواصلات بالخراطيش والرصاص الحي باستخدام التاتشرات مما دفعهم للهروب حتى محطة ودعواضة جنوبا “4 كيلو جنوب اللفة” بل وطاردوا بعضهم حتى الشقيلاب وفتيح العقليين “7 كيلو متر”.

وتصبح هنا النقطة الفريدة الثانية هي أن الاشتباك المباشر مع قوات العدو هو الذي فتح الباب للتظاهر ولم يأت في مرحلة لاحقة كما كان يجري في العادة.

🎯 حلفاء، محايدون وأعداء

بعد الاشتباكات الأولى في شارع سوق اللفة الرئيسي، انتقلت المظاهرات إلى 8 مناطق أخرى كان أكثرها حشدا وعنفا في صنقعت والقطعية، شارك بعض سكان المنطقه القريبه شرق سوق اللفه بقوة وحماسة للمرة الأولى. والسبب وراء ذلك يستدعي النظر للتركيب الإجتماعي للمنطقة وسياسة النظام في بناء قاعدة دعمه.

في المحليات المستحدثة في الإنقاذ، دائما ما تنشأ طبقة من المنتفعين من توسع الجهاز البيروقراطي. تجد هذه الشريحة في الكلاكلة موطأ قدم في المناطق المحاورة لسوق اللفة مباشرة. لقد استفاد بعض ملاك الأراضي من وسط السكان القدامى من ازدهار سوق تجارة الأراضي وأشغال السمسرة والتجارة وتأجير المنازل مع وصول الإنقاذ التي يسرت لهم الوصول للتمويل البنكي وفتحت أبواب التوظيف في البيروقراطية الناشئة في المحليات وللمقربين منهم في الأجهزة الأمنية. وتتمركز بعض مكامن هذه الفئة ، على قلتها، جغرافيا في الأحياء الشرقية المجاورة لسوق اللفة مباشرة وتمتد جنوبا لمسافة 7 شوارع، مع وجود لسكان جدد في قلبها.

ولكن هذا الانقسام ارتبط بتشكيل أوسع آخر على الصعيد القومي : ينتمي معظم سكان الكلاكلة إلى النوبة الشمالية وجبال النوبة وقبائل من الدينكا والنوير والأنواك وغيرها، وفي الكلاكلة شرق يوجد تجمعات من قبائل الزغاوة والبرتي والفور وصولا لمانديلا وخواجة دقس شرقا وكمبو غبوش جنوبا، حيث توجد معسكرات للاجئين الجنوبيين والتشاديين. معظم هؤلاء كاسبو أجور مهنيون وعمال يدويون، مما جعل الوعي البدائي السائد يظهر كانقسام على خطوط الإثنية، ويوجد داخل فئة المستفيدين من النظام جيوب من الباعة الجائلين لم تجد شيئا من انفتاح السوق، فظهر داخلها جيب للمقاومة السلبية سمح للقوى الثورية باستعمال الأحياء المحيطة – باعتبارها أقرب مكان مأهول من سوق اللفة – بمواصلة التظاهر مع مساعدة ربات المنازل والنساء الشباب صغار السن. بينما كان الذكور الأغنياء في المرحلة العمرية 40 – 60 سنة في حالة عداء مضمر للتظاهرات ووصل الأمر لاشتباك البعض منهم مع الثوار حسب شهود عيان في حادثتين على الأقل. ولكن الحلة ككل تقف مع الثورة. وبهذا ظهرت وحدة جمعية عابرة للإثنية ضد النظام ومنتفعيه ككل. لقد ظهر “الشعب”.
يوجد أيضا عدد كبير من معاشيي الجيش وضباط الاستخبارات وشهد معظمهم حروب الجنوب وجبال النوبة، إضافة لعدد من الشباب من دارفور الذين كانوا يقاتلون في صفوف حركة تحرير السودان – عبد الواحد، وهؤلاء انتقلوا بالتظاهرات إلى شرق الكلاكلة واستعملوا الكمائن والحفر الخفية ضد تاتشرات الاحتياطي المركزي وأتلفوا منها 3 في أقل من ساعة. وفي صنقعت والقبة حيث يوجد حضور لكوادر من المعاشيين المحسوبين على الحزب الشيوعي وتضامن قوى الريف (الواجهة السياسية لتنظيم الكومولو – حزب سري في القوات المسلحة اندثر في التسعينات) استعملوا تكتيك تنظيم الحشود والتقدم البطيء تجاه الشرطة في الزقاقات الضيقة ودفعهم للتراجع وجذبوا معظم الباعة الجائلين الذين هربوا من سوق اللفة بسبب الاشتباكات. واستمرت حتى قرابة الساعة التاسعة.
القوة الأخيرة هي السلفيون. ولديهم شبكة واسعة من المساجد جيدة التمويل في المنطقة. وكانوا خلال سبتمر 2013م في صف الدولة تماما وحرضوا المصلين على التعاون مع قوى الأمن ضد الثوار. ولكنهم أخذوا موقف الحياد تماما هذه المرة وتجنبوا الحديث عن الأزمة من الأساس وركزوا خطبهم على التزكية والوعظ اللاهوتي. ولم يرصد لهم وجود في التظاهرات على عكس كوادر حزب التحرير و اثنين من السلفيين الجهاديين الذين كانوا في مقدمة الصفوف في الكلاكلة الوحدة وهتافاتهم نفس هتافات المتظاهرين.

🎯 العنف المضاد

نصبت الجماهير المتاريس في كل مكان، وحيثما توفر الإرشاد العسكري وضعوا الكمائن واستدرجوا قوات الأمن، وتم اعتقال عدد من الأمنجية ونالوا نصيبهم المقسوم، والله كريم. وخسر العدو عددا من تاتشراته، وبعد تورط بكاسي الجهاز في عدد من الكمائن في 4 مناطق متفرقة تجنبوا تماما الدخول إلى وسط الحلة واكتفوا بفتح المتاريس للتاتشرات إن استطاعوا، كل هذا تحت وابل كثيف من النيران ضد المتظاهرين. وأدت مطاردتهم العنيفة للمواطنين من موقف المواصلات إلى اندلاع تظاهرات في الشقيلاب شارع سلك، وفتيح العقليين وعدد غير محصور من النقاط على طريق جبل أولياء.

🎯 الاعتقالات

تمت اعتقالات عشوائية وتم ضرب المتظاهرين بوحشية تفوق المعتاد حتى. وجمعوا في تقاطع شارع القبة في اللفة محاوطين بالتاتشرات وأفراد جهاز يحملون بسطونات وكان عددهم يتراوح بين 80 – 100 متظاهر ويبدو أنه لم تتوفر مركبات كافية لنقلهم مع اتساع رقعة التظاهرات وزيادة الخسائر. تم الافراج عن عدد منهم ولكن لا يزال بعضهم مجهولي المصير. تركزت أغلب الاعتقالات في القبة والكلاكلة المنورة لأن المتظاهرين عادوا إلى منازلهم فور اطلاق الرصاص دون بناء متاريس أو اشتباك مع قوات النظام.

🎯 خلاصات

الثورة في متناول اليد، ولكن علينا أن نتعلم تمييز الاحتكاكات غير الضرورية مع الأعداء من المواجهات الحتمية ضدهم، وأن نجذب الخائفين والمترددين. لا زال النظام يحتفظ بجيوب داعمة وإن كانت قليلة ويجب أن نحيدها بطريقة خاصة في كل منطقة حسب ظروفها.
اهمية الترتيب والتنسيق بين الثوار علي ارض الواقع وابتداع اشكال العمل المتواصلة حسب طبيعة المنطقة وجعل الثوره سلوك يومي
الملاحظة الثانية هي عجز قوات الاحتياطي عن مواجهة التظاهرات الحضرية، وكلما زاد تسليح القوات المواجهة وهيكلتها العسكرية صرامة، كلما كان من الأسهل إرباكها بالتظاهرات السريعة المتفرقة، والعكس بالعكس.
الملاحظة الثالثة هي الجماهير خارج السوشيال ميديا. لقد فشلت مظاهرة صابرين لأنه لم يكن هنالك عمل منهجي على الأرض بينما كان يوجد بعض التظاهرات المتفرقة في الكلاكلة في الفترة الماضية على قلتها ولكنها كانت حيوية للغاية لإنجاح تظاهرة يوم أمس. علينا أن نبدأ عملا متسقا للتحريض في تلك المناطق مهما كان صغيرا، فهو بالتأكيد سيكبر ويتحول لحدث تراكمي أضخم إن أحسن التخطيط.
الملاحظه الرابعه ان الاشتباك المباشر مع العدو يربك حساباته ويحوله لموقع الدفاع مما يعزز من انتصار الثوار.
الملاحظه الخامسه محاصرة اتباع النظام بالاحياء وفضحهم يضعف عمل الاجهزه الامنيه ويحمي الثوار.

وختاما، علينا ألا نقلل من قدرات العدو ولا نتوقف عن تحسين أساليبنا. فالمعركة لا زالت طويلة، ولا يوجد ماهو أخطر من التهاون والركون إلى الانتصارات الجزئية رغما عن أهميتها.

#تسقط_بس
#مدنالسودانتنتفض
#ثورتنا_مستمرة

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن