الجزء الثاني .. قراءة لما ورد من مفاهيم عنصرية وخطاب كراهية وحقد وتعصب ، ضد مجتمعات الكنابي

قراءة لما ورد من مفاهيم عنصرية وخطاب كراهية وحقد وتعصب ، ضد مجتمعات الكنابي

في كتاب / مشروع الجزيرة القصة التي بدأت ،للكاتب / جلال الدين محمود يوسف
بقلم / محمد علي مهلة … الجزء الثاني

سنواصل في تناول ، فقرات الفصل السادس من الكتاب ، والمخصصة لعمال الكنابي ،
خطورة ما ورد فيها انها تمثل إثارة للكراهية ، وفيها تحريض اعمي ، ضد مجتمعات الكنابي ، ويدعوا الي تجريدهم من انتماءهم الاصيل للسودان ، ويؤلب الكاتب المؤسسات والباحثين وسلطات القرار ،علي مواطني الكنابي ، ومصادرة لحق مواطنتهم ، ومحاولة سجنهم ابديا في مفهوم المواطنة المؤقتة المنقوصة.
بني الكاتب كل تحريضه علي فرضية التغريب ، وهي مفهوم لفكرة قاهرة ، يتم إستخدامها ، لقهر مجتمعات الكنابي لكي لا تطالب بمشاركة إمتياز الثروة والسلطة. ومفهوم التغريب نفسه لن يصمد امام تناول تاريخ وجغرافية وعلائق مجتمعات الحزام السوداني. ومشاركة هذه المجموعات في كل مراحل تشكل الدولة السودانية (الحديثة).
ولكن تتطور سير الاحداث ، في أرض الواقع يسير ، عكس تمنيات هذا الكاتب ، وان مجتمعات الكنابي في اتجاه فعل ايجابي مستمر وعيا ، ومعالجة جزئية لبعض القضايا ، وان مجتمعات المزارعين التي يحرضها الكاتب فيها الكثير من الذين يقفون مع إزالة الظلم عن كاهل مجتمعات الكنابي وبقية الفئات ب الجزيرة، سنوضح ذلك في المقال الأخير بإذن الله.

في صفحة 137-138 من الكتاب الباب السادس تحت عنوان الزحف الكمبوي والخطر المحدق يورد الأتي :

(( وفي غفلة من الزمن ومن القانون ومن الضمير اليقظ ، استطاع بعضهم ان يحصل علي الجنسية السودانية وأن يمتلك حواشات وان ينتسب وينتمي الي هذه الارض دون وجه حق ،مستغلا تارة سماحة وكرم الانسان السوداني وتارة مستغلا وضعه وتوجهه السياسي والعقائدي المزيف ووزنه السياسي الاجوف ليصل الي ما يريد .

، وشيئا فشيئا تغيرت سمات اهل الكنابي وتحولت بعض منازل الحطب والقش الي بنايات بالطين والطوب ، وأشرأبت من خلالها هوائيات التلفزيون الملونة ووقفت الي جواراها عربات البكاسي الفارهة وتسرب ابناءهم الي داخل وخارج المدن. وانخرطوا في اعمال ومهن شتي هامشية ، ووجد شبابهم القادر الطموح طريقه ال الاغتراب والعمل في دول الخليج باسم السودان. .
…وفي رأيي أن مشكلة الزحف (الكنبوي) في الاراضي المروية لا تقل خطورة ودمارا من الزحف الصحرواي ، فكلاهما يطغي علي الارض الزراعية ويؤثر سلبا علي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية. وخطورة الزخف الكمبوي تتمثل في تأثيره السلبي المباشر علي الاخلاق وسلوكيات بعض الشباب الذين لم يجدوا الفرصة لمواصلة تعليمهم في المدارس وايضا يتأثر بها بعض الرجال . كما ان الكنابي وما تحتويه من اجناس متباينة الاعراق والاصول ، تشكل خطرا علي العادات والتقاليد الخاصة بأهل المنطقة المجاورة وقد تأتي باشياء غريبة ودخيلة ، علي لهجتهم وثقافتهم اذ كان هذا لا يحدث الا في نطاق محصور جدا بحكم معايشة بعض الافراد للوافدين في محيط العمل .
لقد تناول بعض الباحثين مشكلة، (الكنابي) بالدراسة والتحليل واجمعوا علي وصفها ، بانها اجسام غريبة ، رفضها الجسم السوداني شكلا ومضمونا ، وأصبحت منبوذة ومعافة وتعيش في عزلة تامة ،وتدور في فلك حول نفسها. وأمنوا علي ضرورة الحد من انتشارها. حل هذه المشكلة قد يكون ممكنا اليوم ، ولكنه سيندرج غدا من باب المستحيلات، اذا لم تجد أصوات المزارعين والعلماء والباحثين ، طريقها الي مسامع الذين يتخذون القرار الثوري ويضعون الامور في نصابها بقوة القانون.
والحل العلمي لهذه القضية ، يجب ان يسلك الاتجاهات الآتية التي تلخص مجموعة من التوصيات التي صدرت في اعقاب العديد من ورش العمل ، والمؤتمرات الخاصة ،بموضوع انتشار (الكنابي) وزحفها المدمر علي القري والأراضي الخصبة.
أولا :
لابد من الإعتراف بأن الكنابي مساكن مؤقتة ، ومعسكرات لتجميع العمال الزراعيين ، الذين يشكلون قوة احتياطية لوقت الحاجة اليها
ثانيا :
لابد من المسح الميداني لكل (الكنابي) الموجودة علي طول المشروع وعرضه ، وحصر سكانها وتصنيفهم وتحديد هوية الافراد ،وتاريخ وصولهم ، والمكان الذي جاءوا منه الي السودان ، وعدد افراد كل أسرة ، والعمل الذي يقومون به ، وتحديد ممتلكاتهم ، من قطعان حيوانية ومن اراضي زراعية وكل ما يمتلكون ، وهذا الحصر لازم وضروري من نواحي اقتصادية واجتماعية عديدة.
ثالثا :
إعادة توزيع (الكنابي) التي شيدت علي اراضي مستقطعة من اراضي المزارعين ، وضمها الي مجتمعات اخري قائمة في موقعها الموصي به ، في اللوائح والقوانين ،
رابعا :
تحديد حرم لكل (كمبو) ، يتمدد في حدوده ، ولا يتعداه مهما كانت الاسباب ، وتعطي الصلاحيات للباشمفتش او السلطة المحلية لإزالة اي امتدادات اخري غير قانونية.))

هذا النص ، يمثل الرؤية المفاهيمية الخاطئة لكثير من المسيطرين علي مفاصل السلطة والثروة ، ويوضح فيه الكاتب ، جملة ورش العمل التي عقدت لمناقشة وضعية الكنابي ومجتمعاتها ،
وفي بادئ الامر ، يتبادر الي الذهن ، انه يتحدث عن مخلوقات فضائية خارقة ، تهدد الوجود البشري والبيئ بالمشروع ،
لا يتحدث عن مجتمعات ظلت تقوم باساس العملية الانتاجية ، ولا ينالون نصيب من صافي ارباحها ،
مجتمعات قامت ، بعمل الانشاء والانتاج بالمشروع
وهي بلا حقوق علي ادارات المشروع والدولة.

وهي مجموعات شاركت في بناء الحضارات السودانية الافريقية بانساقها القديمة والحديثة من ممالك وسلطنات الداجو والتنجر والفور والوداي البرقو والتاما والزغاوة ،وغيرهم من المجموعات ،
ولكن الكاتب وغيره كثر أسيرين لمنظور قراءة السودان بسياق شرق اوسطي عربي ، ومسجون ذهنيا في هذا المنظور ،
وما ان وجد المجموعات والمجتمعات التي ما ان تم فتح باب التحاور حولها ، والا اعيد فتح باب قراءة التاريخ السوداني وفق سياقه الافريقي السوداني ، بحضاراته القديمة. لبلاد السودان.

يحاول الكاتب جاهدا ، إبقاء بعض مجتمعات الكنابي في حالة (المواطنة المؤقتة) ، ويناقض نفسه ،
فاذا كان تواجد بداية الكنابي من الثلاثينات فكيف يريد تجريدهم من الانتماء ، وحق المواطنة بعد
ستون عام لحظة صدور كتابه بداية التسعينات. وهو يدعي التمسك بالقوانين ، فأين؟حق المواطنة.
ويبدو ان السلطات والمجتمع حينها أستجابوا. لنداء الكاتب ، ومجموعة الباحثين والعلماء الذين ذكر انهم قاموا بالدراسة والتحليل واجمعوا علي انها اجسام غريبة ومنبوذة ، وضرورة الحد من انتشارها ،
لذلك يجب إعادة قراءة احداث التسعينات ، في كنابي بابونسة ووادي شعير وغيرها التي شهدت احداث حرق وقتل وإزالة وترحيل.
ونحن نتناول كل ما يتعلق بالمفاهيم والتحليلات والتمييز ، لنتشارك جمعيا في تأسيس واقع جديد ، اكثر عدلا وانسانية ،
وسنواصل في المقال القادم ، قراءة في توصيات الكاتب الكارثية ،لحل وضعية الكنابي . ونوضح ان الامور تسير الي الافضل عكس امنياته المريضة ، رغما عن التحديات التي تواجه مجتمعات الجزيرة ككل ،
وان مشروع العدالة الاجتماعية قادم لا محالة.

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن