في ذكري 26 يناير 188 .. ذكري تحرير الخرطوم و عيد استقلال السودان الاول

كيف تحقق استقلال السودان الاول .. 26 يناير 1885


د. محمد المصطفي موسي

عندما اشتد ساعد الثورة المهدية وتوالت انتصاراتها في دارفور وكردفان وشرق السودان .. قررت بريطانيا بالتوافق مع مصر الخديوية إرسال الجنرال تشارلز غردون حاكما عاما علي السودان .. غردون الذي ملأ الدنيا وشغل اهل بريطانيا بانتصاراته الباهرة لمصلحة الامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس .. والتي زخمت الآفاق امتدادا من ارض الصين البعيدة والتي قمع فيها أكبر ثورة شعبية ضد الاستعمار البريطاني وانتهاءا بانتصارته التي سبقت بارض القرم في أقاصي أوربا .. ويقول البريطاني فيرغس نكول صاحب كتاب ” مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ” .. ” في 26 يناير 1884 عندما استقل غردون القطار جنوبا من القاهرة في رحلته النهائية نحو السودان .. كان يبعد حوالي العام تماماً من حتفه النهائي !” .. ( فيرغس نيكول : مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ، دار سوتون Sutton للنشر ، جلوستارشاير ، المملكة المتحدة 2004، ص 187).
وعندما وطأت قدما غردون ارض مدينة الخرطوم في 18 فبراير 1884 .. كانت توجيهات الامام المهدي قد سبقت للامير عثمان دقنة في شرق السودان بالإسراع في عملية تحرير مدن الشرق وقطع الطريق امام اي تعزيزات بريطانية عن طريق البحر الأحمر .. ووجه المهدي من خلال منشوراته الامير عبدالله حامد بسرعة توحيد قواته مع عثمان دقنة لتحقيق هذا الغرض.. واستجاب شيوخ المجاذيب بقيادة الشيخ الجليل الطاهر المجذوب لنداءات الثورة المهدية فقاتلوا في صفوفها.. كما تقاطر فرسان الهدندوة والامرأر والحباب والحلانقة والبني عامر لقتال المستعمرين تحت إمرة عثمان دقنة ..فكانت انتصارات دقنة الساحقة علي قوات الجنرال البريطاني فالنتاين بيكر واختراق المربع الانجليزي للمرة الأولي في التاريخ .. وأعقب ذلك تحرير طوكر وسنكات .. وإزاء ذلك يقول ونستون تشرتشل ” رئيس وزراء بريطانيا لاحقا” في كتابه حرب النهر : ” احس غردون بان وضعه في الخرطوم صار مهددا بسبب العمليات العسكرية في خط انسحابه المفترض ” ويسرد تشرتشل كيف ان بريطانيا قررت إرسال السير جراهام بقوات بريطانية خالصة من الهند وكيف ان عثمان دقنة احدث وسط قواته خسائراً فادحة شملت خيرة الضباط البريطانيين ولم يخف تشرتشل إعجابه بعثمان دقنة حينما يصفه بالقائد المحنك القادر علي تنفيذ انسحابات ذكية بعد خسائر قاربت ال 400 جنديا بريطانيا من جيش السير جراهام.. ( ونستون تشرتشل : حرب النهر ، Mau Publising , نسخة الكترونية بتاريخ 2013 ، ص 74 ) . الجدير بالذكر ان مناورات عثمان دقنة العسكرية الناجحة مع القوات البريطانية في الشرق قد دفعت الجنرال الاستخباراتي البريطاني ريجنالد ونجت لاحقا علي وصف عثمان دقنة لاحقاً ” بثعبان الماء الزلق” .. كناية علي عبقريته العسكرية ! .. لقد كانت تعليمات المهدي المشددة لعثمان دقنة واضحة تماماً .. وهي البقاء في شرق السودان لمنع اي قوات بريطانية من التقدم ريثما يتم تحرير الخرطوم . لقد طارت أصداء انتصارات الثورة المهدية علي القوات البريطانية .. في شرق السودان.. لاصقاع أوربا البعيدة فكتب شاعر بريطانيا الاول آنذاك ” كبلينج ” .. اروع قصائده عن معارك المهدية مع القوات البريطانية في شرق السودان .. بعنوان Fuzzy Wuzzy ..
في ما وراء البحار جالدنا أقواماً شتى
بعضهم كان باسلاً.. وبعضهم لم يكن
باتان، وزولو، وبورميين
لكن الأشعث كان أعجبهم
لم يمنحنا معشار فرصة
بل لبد راصداً في الحرش.. ثم عقر خيلنا!
مزق أرصادنا في سواكن
ولاعبنا لعبة القطة والفأر
يا أيها الأشعث الثائر في وطنك السودان
يا لك من فارس لعين ومقاتل من النخب الأول
ولو شئت أعطيناك بذلك شهادة إقرار
ولو شئت أتيناك لنحتفل سويا بالإقرار
الأشعث ليس لديه أوراق تمجِّده كأوراقنا
لا ميداليات ولا مكافآت يتلقاها كمكافآتنا
فعلينا نحن إذن أن ندوِّن له كلمات النصر
وهو يقفز كالشيطان بين أشجار الحرش
حاملا .. ترساً وحربة !
خذ القول يا أشعث أنت وأصدقاءك الذين فقدت
برغم أننا لم نشيّع من أصدقائنا قدر ما شيعت
إلا أن الصفقة عادلة يا أشعث
لقد قدمت ضحايا أكثر مما قدمنا
لكنك يا ماكر… كسرت في النهاية صندوقنا
أخيراً إليك يا أشعث في وطنك السودان
أيها الفارس اللعين والمقاتل المصطفى
إليك يا ذا الشعر الثائر..
تهانينا يا أحمق يا مغوار فقد كسرت المربع البريطاني !
( كبلينج : Barrack room ballads by Rudyard kipling ، جامعة اكسفورد، المملكة المتحدة – نسخة الكترونية 2012 ، ص 14 ، ترجم النص للعربية الدكتور غازي صلاح الدين ).
وفي الوقت الذي اصدر فيه المهدي توجيهاته للأمراء الشيخ العبيد ود بدر والأمير الشيخ حمدالنيل احمد الشيخ يوسف ابو شرا ( صاحب الضريح الشهير بأمدرمان ) والأمير علي الشريف محمد الامين الهندي ..بتوحيد الجهود لحصار الخرطوم .. انضم الشيخ عبدالقادر ود ام مريوم حفيد الشيخ حمد ود ام مريوم لركب الثورة المهدية مبايعا للمهدي ومحاصرا للخرطوم من جهة الكلاكلة .. كما قام الامير الشيخ احمد المصطفي الامين ود ام حقين بتشديد الحصار من جهة السروراب .. وأرسل المهدي الامير محمد عثمان ابوقرجة بقوات مقاتلة وعهد اليه مهمة حصار الخرطوم الي حين تحركه هو بباقي الجيش من جهات كردفان نحوها .. وتوافد امراء الرزيقات بقيادة الامير موسي مادبو وكوكبة من فرسان الزغاوة بقيادة الامير طاهر إسحاق الزغاوي وصحبهم امراء المسيرية بقيادة الامير علي الجلة و معهم عدد من فرسان المساليت وتوافد الفلاتة بخيلهم بقيادة الفكي الداداري .. وتقاطر فرسان الحلاويين من الجزيرة تحت إمرة الامير ود البصير والأمير عبدالرحمن القرشي ود الزين وثلة من فرسان الشكرية بقيادة الشيخ عبدالله عوض الكريم أبوسن .. و وفرسان العركيين بقيادة الامير ادريس ود الشيخ مصطفي العركي وقوات من قبيلة الكواهلة بقيادة الامير جادالله ود بليلو.. كما تنادي فرسان كنانة ودغيم والحسنات والعمارنة ودويح بقيادة الامير بابكر ود عامر وود مدرع والفقيه سعيد الدويحي من النيل الابيض .. ثم عُين امير الأمراء الامير عبدالرحمن النجومي قائدا عاما لحصار الخرطوم .. فاحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بمعصم اليد ! .. ولعل تاريخ السودان القريب او البعيد لم يشهد تنادي أشتات نخبوية وشعبية سودانية مختلفة لمحاربة الاحتلال تحت راية سودانية موحدة كذلك الذي حدث إبان عملية تحرير الخرطوم.. وفي هذا الشأن يقول البروفيسور الامريكي ريتشارد ديكميجيان استاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب كاليفورنيا .. في سفره القيم بعنوان ( كاريزما القيادة في الاسلام ، مهدي السودان ) : ” لقد كانت مقدرة المهدي علي مخاطبة وتحريك الجماهير افضل مثال للبساطة والوضوح المطلوب .. في مجتمع معقد ومتعدد الأعراق والثقافات كما هو حال السودان في القرن التاسع عشر .. كانت الثورة المهدية تمثل نقطة التقاء لمطامح وامال عريضة لقوي قبلية واجتماعية وسياسية مختلفة قاومت الاحتلال الأجنبي . لقد كان لكاريزما القيادة عند المهدي الدور الأكبر في تجاوز تقاطعات تلك القوي و استرضاء اشتاتها المختلفة وتحقيق التجانس والانصهار بينها ثم الوحدة الوطنية ومن ثم الانتصار للثورة ” .. ( ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي : كاريزما القيادة في الاسلام : مهدي السودان ، جامعة نيوريورك ، الولايات المتحدة،1972 ، ص 206) .
وفي اكتوبر1884 وصل الامام المهدي الي ضواحي الخرطوم بجيشه فاستقبله كبار الأمراء .. ولحظ الجميع تورم قدميه حيث ان القائد أصر علي قيادة الجيش بنفسه وهو يمشي راجلا من كردفان الي الخرطوم .. تضامنا وتشجيعا لبعض أنصاره من المشاة الذين لا يمتلكون جيادا او دوابا للسفر. ولم يهدر القائد الكثير من الوقت فاصدر منشوره الشهير لقوات الثورة المهدية المحاصرة للخرطوم حاثا علي الانضباط وعدم التعرض للمدنيين ..و الذي جاء فيه : ” حيث لا يخفي عليكم ان الظلم دمار وهو محرم كتب وسنة وليس من دأب الأخيار وإنما هو طريق الكفار الفجار . وانتم أنصار الله وقد خرجتم في سبيل الله ، فاحذروا من فساد هجرتكم وصونوا أنفسكم من التعرض للناس في حقوقهم وأموالهم ونسائهم بالطريق لغاية وصولكم ذهابا وإيابا واعلموا ان من تعدي علي احد في نفسه أو ماله أو نسائه فنحن غير راضين عليه ولابد ان ينتقم الله منه في الدنيا قبل الآخرة” .. ( ابوسليم : الاثارالكاملة للامام المهدي ،دار جامعة الخرطوم للنشر ، 1992، ص 161 ) .
ويسرد فيرغس نكول مجهودات المهدي لحقن الدماء و ومحاولة إقناع غردون بتسليم المدينة حين يقول ” لقد شرع محمد احمد المهدي في حملة مراسلات مطولة امتدت لزهاء العشرة أشهر لإقناع غردون بالعودة الي بلاده مكرماً بدلا من إزهاق باقي عمره في الدفاع عن ما لا فائدة في الدفاع عنه ! ” .. كما بدأ الامير محمد عثمان ابوقرجة حملة مراسلات مع غردون لتحقيق نفس الغرض من دون نجاح يذكر .. وقد أورد المؤرخ البريطاني الفريد هيك صاحب كتاب ” يوميات الجنرال غردون ” أورد .. نص خطاب الامير عبدالرحمن النجومي لغردون والذي نقله نيكول ايضا .. وجاء فيه : ” لقد مضي زمن طويل وانت لا تريد الإذعان والتسليم .. ولقد أمدنا الله الان بالرجال الأشداء الشجعان ومنهم أصحابنا وأحبابنا ..رجال يحبون الموت في سبيل الله تماماً كما تحب انت الحياة ! .. يجاهدونك طمعا فيما عند الله من ثواب .. الموت أحب اليهم من زوجاتهم ومن كل ما يملكون في هذه الدنيا الفانية .. ان المهدي يعمل لخيرك وصلاحك .. وعلي الرغم من ذلك ما زلت انت في عنادك وتكبرك .. تدير ظهرك لذلك وتعتمد علي قواك الزائلة والتي ستتجرد منها قريبا بإذن الله “..( نيكول : مصدر سابق ، ص 189 ، ص 201 ) .. وعوضا عن الرد علي ود النجومي .. ارسل غردون مجموعة خطابات لإمبراطور روسيا وإمبراطور النمسا وملك إيطاليا والبابا ليو الثالث عشر يحثهم علي دعمه في مواجهة الثورة المهدية وخطرها .. ويصور الامر علي انه نوعٌ من صراع الحضارت .( خطابات غردون لملوك أوربا وبابا الفاتيكان بتاريخ16،15-4-1884.. فيرغس نيكول:جلادستون و غوردون وحروب السودان ، Publisher Pen and Sword, نسخة الكترونية 2013 ، ص 284 ) .
وفي الناحية الأخري من شمال الكرة الأرضية.. يذكر “لايتون ستريتشي” في مؤلفه بعنوان ” نهاية الجنرال غردون “.. كيف بدأت حملة الرأي العام البريطاني تضغط جلادستون رئيس الوزراء البريطاني آنذاك .. للعمل علي إرسال جيش إنقاذ بريطاني لاسترداد هيبة بريطانيا التي تمرمغت في تراب السودان.. وفي مارس 1884 ارتجل جلادستون خطبة عصماء في مجلس العموم البريطاني ردا علي هذه الحملة المحمومة وختمها بعبارته الأشهر علي الإطلاق .. ملخصا الوضع في السودان كما يراه هو .. ” ان هذا الشعب يناضل من اجل حريته .. ومن حق هؤلاء ان يناضلوا من اجل حريتهم ! ” ..مما اثار حفيظة صقور مجلس العموم البريطاني بقيادة اللورد هارينجتون وزير الحربية وآخرين.. بينما استبقت الملكة فكتوريا الجميع بخطابها لرئيس وزرائها” جلادستون” الصادر من قصر باكينجهام بتاريخ 1884 ..” ان لجلالة الملكة مشاعر قوية تجاه ما يحدث في السودان .. انها تعتقد انه لابد من توجيه ضربة قوية لهؤلاء المسلمين حتي يعلموا جيدا انهم لم يهزمونا بعد ! هؤلاء الأعراب المتوحشون لن يتماسكوا ليجترئوا علي الوقوف امام جيوش جيدة ومنظمة ..ان جلالة الملكة لترتجف من اجل سلامة الجنرال غردون وان أصابه اي مكروه ستكون النتائج في غاية السوء ” .. ( روبن نيللاندز : حروب المهدية.. غردون وكتشنر في السودان 1880- 1889 ، جون موري للنشر ، لندن 1996 ، ص 112) .. وهكذا اندفعت بريطانيا بقضها وقضيضها لقمع الثورة السودانية الوليدة ! .. فتمخض ذلك عن إرسال جيش حملة الانقاذ البريطاني الشهير بقيادة اللورد ولسلي علي وجه السرعة و دون إبطأ !
عندما لاحت طلائع الجيش الانجليزي بقيادة ولسلي في أقاصي شمال السودان في أواخر اكتوبر 1884 .. رفع امير الشمال .. الامير الشيخ محمد الخير ” استاذ المهدي سابقا” تقريرا مفصلا عن جيش الغزاة لتلميذه السابق وقائده الجديد محمد احمد المهدي .. كما عقد المهدي مجلس شوراه بحضور الخلفاء وكبار الأمراء في منطقة ابوسعد بمحاذاة مدينة الخرطوم حيث كان يعسكر بقواته .. وتقرر استدراج جيش ولسلي لمواجهة واسعة في منطقة ابوطليح يكون الهدف منها تعطيل تقدم الجيش البريطاني الغازي لحين تحرير الخرطوم.. وقد تم وضع خطة محكمة تعتمد علي استدراج الحملة البريطانية من خلال الصحراء الكبري وحرمانها من موارد الماء بالاشتباكات الخاطفة المتواصلة حول الآبار .. ودفن اكبر عدد من الآبار في طريق الحملة .. وأرسل المهدي بدوره خطابا متوعدا لغردون.. أورده المؤرخ الوطني الاستاذ عبدالمحمود ابوشامة في مؤلفه القيم ” من ابا الي تسلهاي” :
” واعلم انني حضرت بجيوشنا المنصورة وأصحابنا وأحبابنا المؤيدين بالنصر من عند الله .. وكن علي يقين اني علي علم بحضور عساكر الانجليز بجهة دنقلا ، ولكن لست مباليا بهم ولا بغيرهم بفضل الله .. وسيكون لهم أسوة بجيوش هكس والشلالي ، ولا تغرنك نصرتك المتوالية فكل من استشهد عن أمرنا رأفة بهم لينالوا درجة الصالحين تصديقا لقوله تعالي ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياء عند ربهم يرزقون ” ولولا مراعاة حسم دماء المسلمين لضربت صفحا عن مخاطبتك وبادرتك بالهجومات التي لا أشك في نجاحها . فسلم تسلم انت ومن معك ، وقد نصحتك وأنصحك وإلا فالحرب بعد ذلك والسلام علي من اتبع الهدي ” .. ( ابوشامة : من ابا الي تسلهاي ، الخرطوم، 1986 ، ص 192) .
ويقول نيكول ان الامام المهدي قد وجه الامير محمد الخير بتجميع قوات من قبائل الجعليين والدناقلة والبشاريين والعبابدة تحت قيادة الامير عبدالماجد محمد لمواجهة الغزاة في ابوطليح .. كما اقتطع قوات مقدرة من فرسان دغيم وكنانة من جيشه المحاصر لمدينة الخرطوم وأرسلهم كتعزيزات لهذه القوات بقيادة الامير موسي ود حلو شقيق الخليفة علي ود حلو علي رأس فرسان الراية الخضراء وأمراء اخرين .. علي ان تبقي البقية الباقية من الراية الخضراء تحت إمرة الخليفة علي ود حلو لحصار الخرطوم .. ويتوافق كلام فيرغس نيكول مع منشور المهدي بخط يده للخليفة عبدالله بتاريخ 11 يناير 1885: ” حبيبي ، ان امر جيش الانجليز مهم ، كون تعزيز الجيش فيه فوائد كثيرة وتثبيت للقلوب ، واطمئنان لاهل البلد وتشجيع لهم .. فليكن تجهيز اخوان صناديد كنحو حسن حسين وجماعته وبيرق ابن التويم المادح وبيرق اخي محمد العريق وبيرق علي بن الهاشمي وتشهيلهم بما يلزم من آلة وجباخين وليصير التنبيه علي جماعة الصديق بتشهيلهم ولا يكون في هذا الامر تأني والسلام ” .. ( ابوسليم ، مصدر سابق ، ص 206) .
اما اللورد ولسلي قائد جيش الانقاذ البريطاني فقد استهل حملته بخطاب غرور لغردون في الخرطوم.. تعبر كلماته عن صلف استعماري بريطاني مقيت .. وهو القائد المزهو بقيادة جيش قارب تعداده الأربعة عشرة الف جندي بريطاني ! وجاء في الخطاب ” وصلني كتابك بتاريخ 4 نوفمبر وهو اول كتاب أخذته منك وسأكون في دنقلا بعد أربعة ايام ، ويكون الجيش بين الدبة وأمبقول في 7 يناير 1885 ولست أعطيك تفصيل القوات التي يتألف منها الجيش ولكن تأكد انها كافية لسحق محمد احمد المهدي وأنصاره ومحو ذكره من الوجود وكلما زاد عدد مقاتليه زاد سرورنا لانه بذلك يزيد عدد قتلاهم ” .. ( ابوشامة: مصدر سابق، ص 196 ) .. ولكن اللورد البريطاني المتعجرف لم يكن يعلم حجم الأهوال التي تنتظر جيشه في السودان ..فقد كان التنسيق علي اعلي مستوي بين أمراء الثورة المهدية والمهدي نفسه لتلقينه درسا تاريخيا.. مما حول مهمته الي كابوس ظل يطارده طوال حياته.
عندما تحرك طابور الصحراء بقيادة الجنرال ستيوارت الي الامام من آبار الجقدول وجد قوات المهدية قد احتلت ابار ” ابوطليح” في ليلة 16 يناير 1884 .. فكان لزاما عليه ان يتحرك لآبار ابوطليح حتي يصل مورد الماء ليبقي علي قواته التي أنهكها الظمأ وكادت ان تحترق بفعل شمس صحراء السودان القاسية ..فكانت موقعة ابوطليح الفاصلة بتاريخ 17 يناير 1884 .. ذلك الفخ الذي عملت قوات المهدية علي استدراج حملة الانقاذ اليه ببراعة فائقة ..وهكذا وصل الامير موسي ود حلو بقواته لتعضيد قوات الجعليين الباسلة في المتمة بقيادة الامير علي ود سعد والأمير عبدالماجد محمد خوجلي .. فعقد لواء القيادة للامير موسي ود حلو وبعد ترديد دعاء الحرب ثلاثا كما أوصاهم الامام المهدي .. انطلقت قوات الانصار لمهاجمة المربع الانجليزي المتقدم .. ونترك المجال للمؤرخ الاستاذ عبدالرحمن الحلو ليرسم لنا لوحة المعركة : ” قام الانصار بهجوم عاصف علي مؤخرة وواجهة المربع الانجليزي فكسروا ضلع المربع وأجبروه علي التراجع . وتلي ذلك قتال مواجهة رجل لرجل . اغتنم الامير موسي ود حلو الفرصة واخترق المربع الانجليزي وسط ذهول أعدائه حتي وصل الي وسطه ممسكا برايته الخضراء في يده اليسري والمصحف في يده اليمني .. فأسرع رجاله خلفه فثبتوا الراية بالحجارة في داخل المربع الانجليزي! ..” ( عبدالرحمن ابراهيم الحلو :الخليفة علي ود حلو : صاحب الراية الخضراء، مطابع العملة ، الخرطوم 2012 ، ص 107 ).. وجري اشتباك دامي بالرماح والسيوف مما قلل من فعالية النيران الانجليزية ونتيجة لذلك ..خّر الكولونيل البريطاني برنيبي صريعا برمح الامير البشير عجب الفيا مع 17 من خيرة ضباط الحملة وقُتل ما يقارب ال 368 من الجنود البريطانيين وسقط 1069 جريحا منهم. ( ابوشامة : مصدر سابق ، ص413 ) ..وعلق المؤرخ البريطاني تشارلز رويال علي احداث ابوطليح قائلا: ” لقد قاتل السودانيون ببسالة عجيبة وأبدوا استهانة مذهلة بالموت “.. ( تشارلز رويال : حروب المهدية، السودان 1884-1898 ، Leonaur Publishing ، لندن 2013 ، ص364 ) .. استشهد من قوات المهدية عدد مقدر وكان أبرزهم الامير الشجاع موسي ود حلو والذي ابر بوعده للامام المهدي بغرس راية الثورة المهدية الخضراء في قلب المربع الانجليزي ! واستشهد أيضاً الفارس محمد بن الامير علي ود سعد والذي لم يبلغ العشرين بعد ! بينما جرح والده الامير علي ود سعد في كتفه .. لقد الهم ثبات السودانيين في “ابوطليح” الشاعر البريطاني السير هنري نيوبولت فنظم قصيدته الشهيرة بعنوان Vitai Lampada ..التي ترثي ابياتها الحزينة قتلي الجيش البريطاني وفي مقدمتهم الكولونيل برنيبي .. وجاء فيها:
ها هي رمال الصحراء قد تخضبت باللون الأحمر ..
حمراء هي .. بلون حطام المربع الانجليزي المنكسر !
لقد صمت المدفع .. و قُتِلَ الكولونيل !
قُتل الكولونيل .. قُتل الكولونيل !
( نيللاندز : مصدر سابق ، ص 126)

تلت ابوطليح اشتباكات اخري في المتمة والشبكات تكبدت فيها حملة الانقاذ خسائر فادحة ما بين جرحي وقتلي .. واشتدت المواجهات مع قوات الاحتلال بعد التعزيزات التي ارسلها الامام المهدي بقيادة الامير النور عنقرة ..وهكذا تحققت اهداف الثورة المهدية بتعطيل حملة الانقاذ التي تأخرت لتلعق جراحها وتدفن موتاها وسط أنين الجرحي البريطانيين !
وتناقلت بريطانيا أنباء موقعة “ابوطليح ” الخالدة .. فاستشاطت الملكة فكتوريا غضبا وسطرت خطابا شديد اللهجة للجنرال ولسلي قائد جيشها في السودان والذي عقدت عليه الامال لإنقاذ غردون .. عبرت فيه سخطها التام لما بلغها من أنباء صادمة عن عجز قواتها عن التقدم امام بسالة وتصميم السودانيين في مقاومة الغزاة .. وفي الأسبوع الثاني من يناير 1885 كتب ولسلي المحبط لزوجته في بريطانيا ما هو نصه : ” انني اشعر بغاية الحنق والضيق من خطاب جلالة الملكة ( والذي أرفقه لك في هذه الرسالة) .. فمن النادر جدا ان تكتب الملكة خطابا مؤذيا كهذا لقائد عسكري مثلي في الميدان. لقد كانت كلماتها تعبر عن منتهي الفظاظة وعدم التقدير ! ولكن بما انها ملكة بريطانيا فإنني لا أستطيع ان اجادل جلالتها لذلك قررت ان أتوقف عن الكتابة والرد عليها ” .. ( نيكول : أوراق اللورد ولسلي ، خطاب بتاريخ يناير 1885، مصدر سابق ، ص 290 ) .
اما جنوبا .. وتحديدا بداخل أسوار مدينة الخرطوم المحاصرة .. وعندما اشارت عقارب الساعة الي الحادية عشرة من مساء 25 يناير 1885 .. كانت انامل الجنرال غردون المرتعشة تختط اخر اسطر مذكراته .. والتي جاء فيها : ” اذا لم تصل القوات البريطانية علي وجه السرعة ، فان مدينة الخرطوم ستسقط في يد المهدي.. لقد فعلت كل ما بوسعي فعله من اجل شرف وكرامة بريطانيا … وداعا .. وداعا .. مخلصكم تشارلز غردون ” …
وفي تمام الثالثة من صباح 26 يناير 1885 عقد الامام المهدي مجلس شوراه الأخير قبل تحرير الخرطوم مع الخلفاء وكبار الأمراء وخلص الاجتماع الي ضرورة الهجوم علي الخرطوم لتحريرها علي ضوء إصرار غردون علي عدم التسليم وحقن دماء الناس .. ولتتفرغ قوات الثورة المهدية لمواجهة حمله الانقاذ في الشمال .. وجمعت قوات المهدية للمهدي ليخاطبها قبل المعركة.. ويورد فيرغس نيكول في سفره ( مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون) .. وصايا المهدي المشددة الاخيرة لجيش الثورة المتأهب لتحرير المدينة .. ” اذا نصركم الله .. الغردون لا يُقتل .. الفقيه محمد الامين الضرير لا يُقتل.. .. كل من استسلم و رمي سلاحه لا تقتلوه.. كل من أغلق باب بيته عليه لا تقتلوه ” .. ثم كبر المهدي بسيفه في اتجاه الخرطوم إيذانا ببدء الهجوم لتحرير عاصمة البلاد ..( نيكول : مصدر سابق ، ص 218 ) .. استطاعت قوات الامير النجومي والأمير ابوقرجة والأمير ود نوباوي احتلال الخرطوم في وقت وجيز .. وفي خضم هذه اللحظات التي عادة ما يصحبها الكثير من الانفلات الثوري الذي يصعب السيطرة عليه.. قتُل غردون خلافا لأوامر المهدي الصريحة بالحفاظ علي حياته .. وحدثت العديد من التجاوزات التي نهي عنها القائد وكبار الأمراء .. ويقول نيكول انه علي الرغم من ذلك فان المهدي وود النجومي كانا من الحرص بمكان علي حياة المدنيين .. وعندما دخل المهدي المدينة ظافرا وجه الامير احمد ود سليمان امين بيت المال .. بإرجاع كل امرأة من اهل المدينة الي اهلها او اي قريب لها قبل غروب الشمس ( نيكول: مصدر سابق ، ص 223 ) .. وفي هذا الشأن أيضاً .. اصدر المهدي منشوره الشهير بعد تحرير الخرطوم :” ان النساء الخارجات من ققرة الخرطوم جميعا قد أحببنا ان يعطين لازواجهن ولا يجوز لأحد من أصحابنا وأحبابنا ان يتزوج منهن .. فذوات الأزواج يسلمن لازواجهن وكل من لا زوج لها تكون لدي امين مأمون( المقصود شخص محرم ) ويجري راحتهن.. فالحذر من التزويج لأحد من نساء ألقياقر المذكورة صغيرة او كبيرة .. ثيبا او بكرا ومن تزوج بواحدة من المذكورات بدون نظر حكم الله فهو الجاني علي نفسه والسلام ” .. ( ابو سليم : مصدر سابق، ص 286-287 ). وبوقوع الخرطوم في قبضة الثوار شرع الامام المهدي في تشييد العاصمة الوطنية ” ام درمان” وابتني لنفسه منزلا طينيا متواضعا وتبعه الثوار فأعلنت تلك اللحظات ميلاد السودان المستقل الموحد .
ثم بدأت مرحلة مطاردة جيش حملة الانقاذ البريطاني المنهزهم والذي مُني بالمزيد من الخسائر الدامية .. فسقط الجنرال الانجليزي الأبرز ” وليام أيرل” قتيلا في موقعة كربكان في فبراير 1885 . وكتب ولسلي للورد هارينجتون وزير الدفاع البريطاني آنذاك ليصف حملة التعبئة الناجحة للثورة المهدية والتي أدت الي اشتعال الشعور القومي السوداني ووحدة ابناء الوطن في مواجهة الغزاة : ” انهم ينظرون إلينا الان بكراهية عمياء.. فنحن في نظرهم كفار وغزاة جئنا الي بلادهم تلبية لرغباتنا الانانية ويعتقدون اننا ان انتصرنا عليهم .. سنأتي بحاكم اجنبي .. يسومهم عسفا وظلما ويفرض عليهم الضرائب الباهظة كما كان يفعل الباشوات المصريون” ويعلق نيكول علي هذا الخطاب قائلا : ” لقد كانت القوات البريطانية بلا صليح ليقف الي جانبها في السودان “.. ( نيكول: خطاب ولسلي للورد هارينجتون وزير الدفاع البريطاني 1885 ، مصدر سابق ص 308) .

وبانسحاب قوات جراهام من شرق السودان تحت ضغط عمليات عثمان دقنة العسكرية العبقرية الماكرة.. تم تحرير معظم أراضي السودان من اي قدم انجليزية وفي أواخر ابريل 1885 رفع الامير عثمان دقنة تقريره للامام المهدي قائلا : ” لقد قذف الله الرعب في قلوب أعداء الله الانجليز بفضل ثبات الأصحاب وولوا الأدبار هاربين ” .. ( نيللاندز : مصدر سابق ، ص 150). ويعلق نيكول علي هذه الأحداث قائلا : ” ان حملة بريطانيا العسكرية في السودان التي فاقت تكلفتها السبعة ملايين من الجنيهات الاسترلينية قد انتهت الي الفشل التام ” ! .. وفي فبراير 1885 كتب اللورد ولسلي قائد حملة الانقاذ لزوجته الليدي لويز ولسلي .. بمرارة..قائلا : ” لقد انتصر المهدي .. وها نحن نبدو جميعاً.. كالاغبياء !” .. ( The Mahdi has won , and we all look very foolish ) .. ( نيكول: مصدر سابق ، ص 224 و225).
ويحلل المؤرخ البريطاني والمحلل العسكري دونالد فيثرستون أسباب انتصارات الثورة المهدية علي جيوش الاستعمار.. حيث يرجع ذلك لملكات المهدي القيادية وتخطيطه العسكري المتميز المستمد من اطلاعه ودرايته التامة بتاريخ حروب الاسلام الأولي ومقدرته علي اختيار ما يناسب ظروفه من تكتيكات عسكرية منها ويصف عبقرية تكتيكاته العسكرية في مواجهة الجيوش البريطانية ..بكلمات قصار موجزات .. ” لقد كان قادرا علي الاستفادة من هذا الإرث في الصبر علي العدو والانتظار بتأن حتي تحين اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية .. لقد كان بارعا في الاستفادة القصوي من لحظات الارتباك الكامل في صفوف عدوه .. ان المرء منا ليجد قرارته العسكرية والسياسية المصيرية – في معظم الأحيان- مصحوبة بحدسٍ عبقري قلما يخطئ ” ثم يستطرد قائلا .. ” لقد كانت تكتيكات الانصار العسكرية تعتمد علي عنصري المفاجأة والصدمة .. والإحاطة الدائرية بالعدو من اتجاهين “.. ولا يخفي فيثرستون اعجابه الشديد بفكر القادة العسكريين للمهدية حين يقول عنهم : ” علي الرغم من عدم تلقيهم تدريبا عسكريا نظاميا الا ان تكتيكاتهم العسكرية والقتالية المتأصلة قد جعلت منهم مقاتلين رائعين”.. ( فيثرستون: الوقفة الاخيرة للجنرال غردون، Osprey Publishing ،أوكسفورد ، المملكة المتحدة 1993 ) .. اما عن عبقرية الامير عثمان دقنة العسكرية فيقول المؤرخ البريطاني وليام رايت : ” من الممكن القول بان عثمان دقنة كان اكبر عبقرية عسكرية تكتيكية واجهتها الامبراطورية البريطانية في حروب الصحراء علي الإطلاق ! . لقد كان بارعا في الإبقاء علي تماسك جنوده .. يعرف جيدا كيف يقوم بالاختراقات العسكرية المباغتة الناجحة فيضرب مؤخرة المربع العسكري للعدو .. ويعرف جيدا متي ينسحب بقواته .. كان يفهم جيدا أهمية رفع الروح المعنوية لرجاله فيؤكد لهم ان الانجليز قد فروا وولوا الأدبار فيلهمهم ( اي رجاله ) مزيدا من الثبات والاخلاص في القتال . لقد كان دقنة رائعا في إلهاب حماس جنوده بالخطب الحماسية التي تستحسنها اذان الرجال قبل المعركة “.. ” William Wright: The Battle story , Omdurman 1898 , by William Wright ,The History Press , e-book, P64 ” .. ولعل هذه التكتيكات هي التي قادت السودانيين لانتزاع استقلالهم من المحتل عنوة واقتداراً .

أصداء انتصارات الثورة المهدية في العالم
في بريطانيا حلت اخبار الهزيمة المدوية التي تلقتها جيوش الامبراطورية التي لا تغرب الشمس في السودان ومقتل غردون .. كحلول الصاعقة تماماً ! وينقل المؤرخ البريطاني روبن نيللاندز ..كيف وثق اللورد بونسونبي سكرتير الملكة فكتوريا الخاص لهذه اللحظات حينما كتب ليصف حال الملكة فكتوريا عند تلقيها تلك الأنباء .. ” لقد كانت في حالة سيئة تماماً بعد سقوط الخرطوم وبدت كالمريض الذي كان طريح فراشه.. لقد كانت تتأهب للخروج للتو عندما أتانا تلغرافا يحمل الأنباء ..وعندها توجهت ( اي الملكة) الي مسكني الخاص كان باديا علي محياها الشحوب فوجدت زوجتي التي أفزعها منظر الملكة وهي بتلك الحالة حين خاطبتها وهي ترتعش : فات الأوان .. Too late ! ” .. ثم يستطرد نيللاندز .. ” لم تكن الملكة وحدها! .. عندما وصلت أنباء مقتل غردون للندن ..عمت حالة الحداد جميع أنحاء بريطانيا ونُكست الاعلام وأعلن ذلك اليوم كيوم حداد قومي وسرعان ما تحولت حالة الحزن العام الي غضب جارف موجه لرئيس وزراء بريطانيا جلادستون ” . ( نيللاندز: مصدر سابق ، ص 142،143 ).
وعلي المستوي الشعبي راجت تلك الاغنية الشعبية الحزينة عن مقتل غردون وهزيمة القوات البريطانية علي يد قوات الثورة المهدية بعنوان Too late to save him ..فصارت لحنا شعبيا معروفا يعزف في حانات لندن القرن التاسع عشر بأمسيات الانس أواخر الأسبوع ..

هناك في السودان غاب عنا ..غاب عنا
هناك .. طأطأت إنجلترا رأسها .. وانكسرت
من هنالك .. من هنالك ..
تفشي نبأ ارتعشت له قلوب كل البريطانيين ..
قُتِلَ بطلنا العظيم .. قُتِلَ بطلنا العظيم .
( من ارشيف الأغاني الشعبية البريطانية، National Library of Scotland،ادنبرة، نسخة الكترونية 2012).
الجدير بالذكر ان حكومة جلادستون سقطت بعد اقل من أربعة اشهر بفعل احداث السودان والتي تلتها احداث سياسية اخري بأيرلندا . اما اللورد ولسلي قائد جيش الانقاذ البريطاني المنهزم فقد عوقب بالحرمان من قيادة اي قوة عسكرية الي حين مماته في 1913.
اما في الجانب الاخر من الجزيرة البريطانية .. فقد تلقي القوميون الأيرلنديون اخبار انتصارات الثورة السودانية علي بريطانيا باحتفاءٍ مشهود .. وطفقت صحافتهم في تخليد تلك الانتصارات ..فقد كانت الجزيرة الأيرلندية ما زالت ترزح تحت نير الاحتلال البريطاني حينما حررت المهدية السودان.. فكتبت صحيفة Waterford Daily Mail.. في 1884 ” ان أمانينا الحقيقية هي ان لا يضع المهدي أسلحته الا بعد ان يحصل هو و رجاله المخلصون الأوفياء علي نعمة الحرية التي لا تقدر بثمن .. يا أيها المهدي ..يا أيها المهدي .. ان مبلغ آمالنا ان تقضي كل واحدة من هجماتك بالسيف علي عشرة من أعداء الحرية ” .. اما صحيفة Irish World فقد خصصت صفحاتها الرئيسية بالكامل لاخبار السودان .. وفي 7 فبراير 1885 كتبت ذات الصحيفة : “ان الثورة السودانية الباسلة تستحق التعاطف الكامل من كل أصدقاء الحرية في شتي بقاع العالم”.. (الارشيف الالكتروني للصحافة الايرلندية 1884-1885 ) . ويقول البروفيسور مايكل دي ني في سفره القيم ” أسرعوا بالمهدي .. الصحافة الأيرلندية وصراع الامبراطورية في السودان( 1883-1885)”..” لقد عملت الصحافة الأيرلندية ذات الميول القومية علي تصوير المهدي و وتقديمه كمناضل وبطل قومي سوداني في ثورته ضد الامبراطورية البريطانية.. بينما عملت علي وصف رجال المهدية كمحاربين من اجل الحرية اكثر من ميلها لوصفهم كرجال دين لهم قداستهم “.
اما عن صدي المهدية في العالم الاشتراكي الذي كان في مرحلة التخلق آنذاك ..فقد كتب فردريك انجلز مفكر الاشتراكية الأبرز عن “المهدي .. الزعيم السوداني الذي جابه الانجليز ظافرا في الخرطوم ” .. ( انجلز : مجلة العصور الحديثة ، المجلد 1 ، العدد 22 ، 1894) . كما كتب كارل ماركس لصديقه انجلز في أواخر أيام حياته حين كانت جيوش الثورة المهدية تستعد للزحف من كردفان نحو الخرطوم في 1883 : ” إن الأخبار التي تأتينا من السودان، في هذه الأيام، أخبار مثيرة للفكر، وإنها ستدفع بنا إلى أن نحيل النظر في مجمل بنية المذهب الشيوعي، الذي ندعو إليه، وستجبرنا على إعادة التأمل في حديثنا عن أن الدين إنما هو مجرد إفراز للوضع الطبقي،” ثم يستطرد قائلا …” فإن الدين الإسلامي، بهذه الصيغة الثورية المهدوية المتفجرة في السودان، أصبح، وسيضحى وقوداً للثورة العالمية ضد الإمبريالية” .. ( قراءة عصرية في منشورات المهدية ، الدكتور محمد وقيع الله، 2011 ) .
اما المؤرخ و البروفيسور الروسي سيرجي سمرنوف فقد كتب عن تحرير الخرطوم قائلا .. ” ان الثورة المهدية وان كانت حركة دينية لدي نشوئها الا انها أضحت بعد انتصارها علي حملة هكس و استيلائها علي الابيض وحصار وتحرير الخرطوم ، ثورة وطنية تقدمية ضد الاستعمار البريطاني والحكم التركي المصري وعملائه من كبار الإداريين مثل غردون و بيكر وأمين ولبتون وسلاطين وغيرهم ” .. كما يذكر سمرنوف ان ” عملية حصار وتحرير الخرطوم- المركز الاقتصادي والسياسي للبلاد – جاءت تتويجا لسلسة انتصارات الشعب السوداني الساحقة علي الإمبرياليين البريطانيين ” ويصف حراك الثورة المهدية ” بالحركة التقدمية التي وحدت ملايين السودانيين للكفاح من اجل الاستقلال في مواجهة الاستعماريين ” .. ( سمرنوف : المهدية من وجهة نظر مؤرخ سوفييتي ، دار الجيل ، بيروت ، ترجمة هنري رياض ، 1994.. ص 8، ص 76 ) .
اما عن أصداء تحرير الخرطوم و انتصارات الثورة السودانية علي بريطانيا في شمال الوادي .. فقد كتب احمد عرابي باشا قائد الثورة العرابية من منفاه في مدينة كلمبو بجزيرة سريلانكا في 2 مارس 1885 خطابا الي الليدي آن بلنت ( Anne Blunt ) .. جاء فيه : ” لم تكسب بريطانيا شيئا من محاولتها غزو السودان .. لقد خسرت كل شئ .. خسرت اسمها وسمعتها و خسرت كل المسلمين . لقد فقدت بريطانيا غردون وستيوارت وهكس و أيرل وكم وكم غيرهم من الضباط البريطانيين . كما فقدت ايضا تعاطف كل القلوب بسبب حربها علي ثورة التحرر في السودان .. ان السودانيين الشجعان اخذوا بالثأر لاخوانهم المصريين وحموا بلادهم ضد الغزاة ومنهم رجال يفضلون ان يتجرّعوا كأس الموت علي ان يروا مستعمرا دخيلا عليهم داخل حدودهم . لقد بايع الشعب السوداني المهدي بالملايين علي الموت من اجل الحرية و كلما ازداد العدوان الانجليزي عليهم كلما ازدادت قوتهم “.. ( ارشيف الصحافة البريطانية ، صحيفة The Western Daily Press ، عدد بتاريخ 3 ابريل 1885 ) .
وتتوافق رسالة احمد عرابي مع ما خلص اليه البروفيسور ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي حيث قالا : ” لقد كان عرابي باشا من ابرز المتضامنين مع الثورة المهدية ضد البريطانيين وحلفائهم من الأتراك العثمانيين .. وقد عمل المهدي علي مبادلته بغردون قبل مقتل الأخير في الخرطوم .. كما كان ثناء الشيخ محمد عبده علي محمد احمد المهدي وحركته ظاهرا ومعروفا تماماً كمجاهرة الشيخ المصلح جمال الدين الافغاني بمساندته للثورة ايضا .. ولو قدر للمهدي ان يعيش اكثر .. لكان من الممكن جدا ان تشكل الحركة المهدية تهديدا حقيقيا علي سيطرة بريطانيا علي مصر “.. (ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي: مصدر سابق ، ص 209) .. ومع توالي انتصارات الثورة المهدية في السودان كتب جمال الدين الافغاني ثلاثة مقالات نارية باللغة الفرنسية في صحيفة ( L intransigent )الفرنسية .. تعبر في مجملها عن اعجابه الشديد بالثورة التحررية السودانية وقائدها .. بل وانه من فرط اعجابه بالمهدي فقد ادعي ان المهدي كان تلميذه في الازهر! .. ( د. علي شلش: جمال الدين الافغاني بين دارسيه، دار الشروق ، القاهرة ، 1987، ص 122 ) .. واتبع ذلك الافغاني بمقال مطول عن وصول أنباء انتصارات الثورة المهدية لقارة اسيا القصية .. ” وردت برقية من تاشكند( طشقند) إلى جريدة الساندر الإنجليزية مفادها أنه حصل اضطراب عظيم في أفكار المسلمين سكنة بخارى عندما سمعوا بانتصار أعراب السودان وظفرهم الأول وظهر فيهم داع جديد وهو الشيخ محمد احمد صاحب الحركة المهدية يحث على الحرب ومقاتلة الذين ينتهبون الأراضي الإسلامية لتوسيع ممالكهم” .. الي ان يقول ” أن الدعوة المهدية في السودان لهذه الأوقات التي قام المسلمين فيها بأشباه الحوادث الماضية ستدعو إلى حركة عامة يصيح منها الشرقي بالغربي ويصعب على الإنجليزي وهو في مجراها أن يتنكب عنها دون ان تعروه هزة من مفزعاتها “.. ( جمال الدين الافغاني : مجلة العروة الوثقي، الاعداد من 1884- 1885، نسخة الكترونية ) .

رحم الله ذكري هؤلاء الرجال البواسل فقد حرروا الوطن بوحدتهم واتفاق كلمتهم وزلزلوا عرش امبراطورية بريطانيا التي لم تكن تغرب عنها الشمس .. فمتي يعود هذا الوطن حرا ابيا كما كان !؟

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن