لَوني في مواجهةِ العنصرية – د. اشراقة مصطفى

د. إشراقه مصطفى حامد

تجاربي المريرة التي عشتها حين واجهتني العنصرية بشراسة؛ لا يمكن قراءتها إلا في إطار ما تعرضتْ له بلادنا النامية من استغلال لمواردها منذ استعمارها وإفقارها، ومنذ تلك النظرة الدونية (لرجل إفريقيا المريض)، والصور النمطية المستقاة من “ألف ليلة وليلة”، صورة إفريقيا في المناهج الدراسية وفي الأفلام، وفي الدعايات الانتخابية. جميعها لا يمكن فصلها عن معايير المركزية الأوروبية في النظرة إلى الآخر الغريب.
لذا، فما تعرضتُ إليه تعرض له سواي من المهاجرات والمهاجرين، وتعرض إليه غيرنا أيضاً من النمساويين لأسباب تتعلق بالمعايير المجتمعية نفسها.. ولا ينفصل هذا عمّا تعرّض له اليهود في التاريخ القديم، وتتعدد الأسباب والقوميات والجرح واحد.
تكون الطامة أكبر حين يتبنى هذه العقليةَ الإقصائية مهاجراتٌ ومهاجرون مثلك، دون وعي منهم بأنهم مواجَهون بها ودرجة اللون لا تفرق كثيراً، وحالما ينطق اللسان يَظهر أحد أوجه الهوية من طريقة نطقنا، وقبل ذلك من أسمائنا. تجربة لا تنفصل عن تجربة أيّ إنسان تعرض للتمييز لأيّ سبب كان، ولا تنفصل عن لهفة “شيباني فاغوي” للحياة، “شيباني” الذي قُتل وعلى جسده النحيل ثلاثٌ من قوات الأمن بينهم امرأة، بينما وقف الطبيب متواطئاً ضد سواده الوسيم، ضد أحلامه وأشواق أمه..
لا تنفصل عن صرخة “ماركوس اموفوما” المكبوتة وهو يقاوم لأجل إزاحة الكمامة القاسية التي ثبتها البوليس بقسوة أثناء ترحيله من النمسا إلى بلغاريا فصمتَ للأبد، صمتَ ومعه ثارت النمسا وعلى رأسها “فيينّا”، خرجت كل منظمات حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق اللاجئين، التحمت الجموع مع عمال العالم الذين اتّحدوا يومها، في الأول من مايو 1999 حين همد جسد “ماركوس”، وظلت روحه زاهرة ومزهرة في حراكنا المجتمعي.
تجربتي لا تنفصل عن تجربة جارتي فاطمة التركية المحجّبة، والتي تخرج مبكّرة قبل خروج الشمس من خدرها لأجل الرزق وتعود وعلى وجهها ابتسامة الرضاء، تتعرض للتمييز بسبب حجابها وهو التمييز نفسه الذي يطالني، هو الحزن نفسه والضغط النفسي نفسه.
مع ذلك تظل التجارب الخاصة التي عشتها جرحاً عميقاً في الروح، يؤثر سلبياً على الصحة النفسية والبدنية.. أن يتم تمييزك لأسباب غير منطقية، بسبب لونك، نوعك، دينك، بلدك، توجههك ومواقفك السياسية… إلخ.
كانت أول تجربة لي قاسيةً، ولم أحسب أن هناك الأقسى الذي ينتظرني؛ وفقاً لتطور حركة اليمين المتطرف في النمسا. ولن أنسى ما حييت ذلك اليوم حين كنتُ مشحونة بغيمات الحنين والشجن للسودان، لأهلي، لـ”حبيبي”، لم أحسب أن الغربة التي حملتُها بذرة سؤال وجودي منذ صغري وكبرت معي. جلست في محطة “البراتر” في الحي الثاني أنتظر القطار الذي يقلّني إلى “هولابرون”.. كان أمام القطار قرابة أربعين دقيقة. ظلال الشمس الربيعية تنعكس على خطوط السكة الحديدية، وكعادتها خرجت عني روحي إلى بلاد الشمس، وهنا رجوتهم أن يكتبوا لي كل يوم، كل أسبوع، فليس لي زاد سوى هذه الرسائل، وما أكبر حزني وخيبتي حين أدير مفتاح صندوق البريد ولا أجد رسالة.. كنت أتحرّق إلى رسالة من “حبيب العمر” يدندن معي في الليل:
“حققنا أحلامنا والعاشق عقبالو”
وأغني له بأعلى شجون القلب:
“يا أحنّ الناس حنان
كنت من قبلك
بشيل الليل دموع
وأطويه همّ
أنا كنت بخشى
على الأماني الطفلة
يفنيها العدم
وجيت لقيتك بين قلبي دموع”.
ولكن لا شيء سوى صفير الريح.
بطريقة آلية فتحت حقيبة يدي لأخرج رسالة وصلتني قبل شهر من صديقة عمري عفاف أحمد البشير، وبدأت أقرأ: “يتيمة أنا من غيرك يا شروقة، يتيمة البلاد والناس”، قفز وجه صديقات الطفولة والصبا وأحبّ المعارف، عفاف فضل المولي وعفاف محمد عطا الله، رأيتني في بيتهم الفسيح بالكَرَم والألفة والحنان، عفاف محمد عطا الله الوديعة، رأيت كل أفراد البيت بقربي في محطة “البراتر”، وعفاف فضل المولي تحرضني على الصحو المبكّر متنافساتٍ بمحبة على النجاح. أشعر أنني بعيدة، بعيدة جداً وكل طين روحي يزلزل بجنون.
يدٌ تلمس كتفي، فيها من حنان تلك البلاد، بلادي. مدت لي منديلاً ورقياً معطراً، وقالت لي إن الغربة في بداياتها قاسية، وبالرغم من أنها من بلاد ليس بعيدة من هنا ولكنها تحنّ إلى هناك، الشابة اليوغسلافية التي لن أنسى رقّتها ومحاولاتها الطيبة لتهدئتي، وقد نجحتْ. رافقتني حتى صعدت إلى القطار، وتمنت لي رحلة سعيدة وإقامة أسعد في “فيينّا” التي أشادت بها كثيراً. كنت منهكة وقواي خائرة، جلست في أقرب مكان بعد أن قلت: “السلام”.. نهض الرجل المسن من مكانة منفعلاً وغاضباً وهو يقول إنه لن يجلس في عربة فيها “قرد من إفريقيا”. قال كلاماً كثيراً لم أفهمه كله، ولكني فهمت أنني غير مرغوبٌ بي. الشابة التي تبدو في الأربعين من عمرها والتي تجلس بالقرب منه لم يفتح الله عليها بكلمة واحدة، خاصة بعد أن انفجرتُ بالبكاء. شاب في منتصف العربة يحتجّ بإنسانية أحسستها حقيقية على هذا السلوك، محاولاً تطييب خاطري بمدّ مجموعة من المناديل باتجاهي، وكأنه يعرف أن دموعي ما جفت منذ أن وطئت قدماي هذه البلاد.. دوماً هناك من يمدّ لي مناديل ورقية لأعطّرها بملح دموعي وسيرة الرحيل.
صرتُ في لاحق الأيام حذرة جداً، ولا أجلس إلّا في مكان وحدي، بخاصة أنني افتقدت المرأة ذات الشعر القمحي المسدول إلى منتصف ظهرها والتي تبتسم في وجهي دائماً. لقد تركتْ هذه التجربة أثراً مؤلماً في نفسي لم ينحسر إلّا بعد أن صرت فاعلة في المجتمع النمساوي. وما زلت أتذكر المرأة التي قالت لي ابتسامتُها إن التضامن بين النساء ممكن، ولكن ليس فقط بسبب النوع.. فلكم تعرضتُ للتمييز والاستفزاز والتجريح من نساء، بعضهن تنتمي إلى حركات نسوية مختلفة وبصرف النظر عن جنسياتهن.
التجربة الثانية لا تقلّ قسوة من الأولى، خرجتُ يومها مبكراً من الكلية في ذات مساء، ودخلت إلى بقالة قرب كلية الإعلام في الحي الثامن عشر لأشتري قطعة خبز وزجاجة ماء، بعد أن أقلعت عن التهور إذ أكلت مرة “بيتزا” وطلبت عصيراً طازجاً لظني أن الكلية ستدفع الفاتورة طالما تمت المحاضرة في هذا المطعم وبتنظيم من الأستاذ كما يحدث أحياناً. في البقالة كان المبلغ الذي بحوزتي لا يكفي لشراء الماء وقطعة الخبز، فقررت أن أصبر حتى عودتي إلى السكن. عند خروجي استوقفتني البائعة متهمة أنني سرقت شيئاً في حقيبتي، وقبل أن تبحث فيها لتعود خائبة كان بعضهم قد تدخّل ضدي حين أعلنتُ غضبي، عدا سيدة عجوز احتجّت بشدة قائلة إن طريقة البائعة مستفزة، وإنها توصلت إلى نتيجة هي غير حقيقية كما أثبتت الواقعة.
وقف الدمع بعناد وغضب في حدقتَي، وخرجت من هناك وعلى وجهي ابتسامة عرفان للسيدة النمساوية العجوز، وتمنيت أن ألتقي السيدة العربية التي قالت لي في الطائرة يوم وصولي لمطار “فيينّا” أن عليّ أن أحذر من النساء العواجيز لأنهن يكرهن “الأجانب”.. فلسن كلهن كذلك، بل قلّة منهن، دون إحصائيات أستند إليها سوى تجربتي. المدهش في الأمر أن البائعة كانت مهاجرة من بلاد شرق أوروبية.. ولكن من وما الذي أعطاها الحق في تمييزي؟
في الأسبوع الأول لي في “هولابرون”، أساءت لي شابة بمناداتها لي بتلك المفردة التي لا يمكن النظر إليها دون تواريخ الاستلاب والاستعمار، ودون أن يمر فيلم “الجذور” بكل عذابات الرق وكل الثروات المنهوبة.. “خادم”. اختلط صوتها بصوت من بعيد، من أقصى التاريخ الأليم، تاريخ الرق في السودان، وقانون المناطق المقفولة. وهكذا تتواطأ العقلية الاستعمارية مع عقلية ركزت على عروبة السودان وأهملت إفريقيا وتواريخها، النوبة والحضارات الراسخة.
الوعي بالتمييز ضد بعض شعوب السودان تفجّر منذ أول حراك سياسي لفهم قضية السودان، حروبه الطويلة وصراعاته المريرة لأجل العدالة الاجتماعية. الوعي بذلك أمر وأن تعيشه في لحمك الحيّ أمر آخر، فيجرحك أقصى الروح ويعرّيك أمام ذاتك وتواريخك.
تعرضتُ إلى ما هو أقسى من ذلك، حين عدت في مساء أحد الأيام من الكلية إلى “هولابرون”، بالقرب من المبنى اقتربتْ مني عربة بسرعة مخيفة وابتعدت مرتعدة وبالكاد كنت أصدّق أنها لم تدهسني، شباب في سن صغيرة قاموا بالبصق على وجهي وملابسي بالخمرة التي كانت تملأ أفواههم، رشّوني بها وانطلقت العربة تسبقها قهقهاتهم التي ظلت تلاحقني لزمن طويل وجعلتني أنهض فزعةً من النوم لياليَ كثيرة.
أظهر عدد من الطلبة مساندة لي وأعربوا عن غضبهم، وتحدث بعضهم عن كراهية الحزب اليميني لـ”الأجانب”. لولا “رفقتي الآمنة” لما سكنت هواجسي ومخاوفي وكوابيسي. كتبتُ هذه التجربة في النشرة التي تنشرها المنظمة المانحة مع مقدّمة لما تعرضت له. وقررنا أن نرحل إلى “فيينّا”، ما عاد الخوف يتركني في حالي، خاصة وأنني أعود في الغالب مساءً بعد أن يهدّ جسدي العملُ لدى الأسرة العربية لزيادة الدخل ولأجل الشجرة الكبيرة التي تنتظرني في بالسودان. وكأنني أحلم أن العنصرية لن تلاحقني في “فيينّا”!
في مرة من المرات وعند حديقة الشعب (فوكس غاردن) كنت أتكلم مع أبي بالموبايل، وكان لا بد أن أرفع درجة صوتي ليتسنى له سماعي، وكان يقف على المحطة عدد من النساء الأنيقات وبعض الرجال المهندمين بربطات عنق جميلة ومن أعمار مختلفة. أبي لا يسمعني جيداً وصوتي يعلو، اقترب مني رجل يبدو في عمر أبي بانفعال وقال لي: “اذهبي إلى أدغالكم، هناك يمكنك أن تصرخي من شجرة إلى شجرة مع القرود!”. أغلقت المكالمة بعد أن اعتذرت لأبي وأبلغته أنني سأعود لاحقاً لأكمل ما بدأناه. لم يفتح الله لأحد بكلمة ضد هذه العنصرية، ولا رحم أحدهم غضبي. قلت للرجل إن موقفه واضح، وإنه صرح به بكل عنصريته الفجة. لكن الأكثر إيلاماً وتجريحاً هو صمت كل من سمعه، هل يعني هذا الصمت موافقة ضمنية لما وجهه لي من إساءة؟ بعدها تدخل بعضهم ونفوا عن أنفسهم صفة العنصرية الذميمة، وأكدوا أن الرجل مخطئ للغاية، ولكن هذه العقلية موجودة في النهاية، ولن تحارَب إلا بالمزيد من الوعي، قال الشاب الوسيم صاحب ربطة العنق الحمراء.
هناك مواقف تدعو إلى الضحك رغم ألمها.. كنت عائدة للبيت بالحي السابع، وفي الطريق قمت بشراء بعض الاحتياجات الغذائية، وحملت كيسين، كل كيس بيد، في الطريق قابلتني امرأة قائلة بعد أن حيّتني بلطف: “في إفريقيا تساعدكم الحمير في نقل مشترياتكم”!
حالة مشاعر غريبة أقرب إلى الضحك والبكاء، أقرب إلى الشلل.. إفريقيا قارّة بأكملها تحولت إلى قرية صغيرة، ليس بفعل العولمة التي زادتها إفقاراً، بل بفعل الصور النمطية عن قارة ليست فقيرة بأي حال من الأحوال، بل تم إفقارها بطريقة ممنهجة لعب فيها الاستعمار دوراً كبيراً، وبالقدر نفسه لا يقل دور حكامها ومن أفسدوا طعم الهواء والماء والحياة لشعوبهم فيها. ألم تسألني امرأة عربية من بلد مجاور عن طبيعة الحيوانات في السودان، وهل صحيح أنها منطلقة في الشوارع جنباً إلى جنب مع الناس؟ قلت لها والغيظ يغتالني: “فعلاً؛ الناس والحيوانات المفترسة والأليفة يجوبون الشوارع في توادُد غريب، حتى إننا تعلمنا من الحيوانات المفترسة قيمة الافتراس دفاعاً عن حقنا في الحياة والتوازن البيئي!”.
في الحي السادس عشر، وفي اليوم نفسه الذي تسلّمنا فيه البيت الذي أقيم فيه منذ 2003 وحتى هذه اللحظة، جاءت جارتي النمساوية لتقديم التحية لنا، عرّفتني بنفسها، “باولا”، بهذه الطريقة الحميمة بذكر اسمها وليس اسم عائلتها، رحبت بنا بطريقة لطيفة جداً.. وحين رأت ابنتي التي تكاد تنهي العامين من عمرها قالت بفرح: “يا لها من طفلة بنّية كالشوكولاته، إنها زنجية جميلة”. كنت أعي أن لهذا التعليق حمولاته الثقافية والتاريخية وفي الوقت نفسه كنت أكثر وعياً بأنها لا يمكن أن تكون تقصد أذيّتنا، وصدق حدسي حين قلت لها إن هذه الأوصاف لها تمييز تنعكس حمولته سلبياً علينا. أكدت لي بابتسامة هادئة أنها لا تعني ذلك أبداً، وأن هذه المفردات عادية جداً في زمانها، ولم يُقصد بها أبداً جرح أحد. دار نقاش طويل عن التغييرات السياسية التي حدثت في النمسا والهجوم الذي يتم بشكل منتظم ضد السود. واستمر الحوار بيننا على مدى سنوات إلى أن رحلتْ إلى ضفتها الآمنة وافتقدتُ ترحابها ووجهها المليح المريح.
في الحي الأول التقيت صديقتي صفاء، قررنا أن نجلس في مقهى ونشرب قهوة ونحكي، في المقهى الأنيق ما يكفي من المقاعد، إلا أن أحد العاملين في المقهى رفض استقبالنا بحجة أنْ لا مكان لنا! سألته: كيف هذا وهناك أكثر من عشرة مقاعد متناثرة؟ لكنه أصرّ، فخرجنا من هناك وغصّة في الحلق. تلك الفترة التي كان يتم فيها منع الأفارقة من دخول بعض المقاهي، تزامنت مع تضمين الإعلانات عن السكن عبارات من مثل “غير مسموح للأجانب”.
تزداد وتيرة العنصرية ورفض الآخر كلما تقترب الانتخابات. وحتى أثناء كتابة هذه السطور تعرضتُ إلى موقف فجّر غضب الدنيا كلها في جوفي. في إحدى البقالات المعروفة وقفت في الصف لأدفع ثمن ما اشتريته من البقالة، المرأة التي أمامي لم تضع بضاعتها القليلة، ولكن ماكينة السحب للدفع وضعت مشترياتي القليلة أيضاً على متن الدفع. استأذنتها أن تفسح لي لأعيد أشيائي، وبطريقة في غاية الانفعال دفعتني بقوة بكلتا يديها أمام زبائن المحل والبائعين، لم أصمت بالطبع وقلت بصوت عالٍ إن بامكاني أن أتصل بالشرطة لأنها اعتدَتْ عليّ وتعاملت معي بعنف غير مبرر. إنها المرة الثانية التي يتم فيها الاعتداء عليّ، مرة من الصبية النمساويين الذين بصقوا خمرهم على وجهي وكادت عربتهم تدهسني في عام 1995، وهذه المرة التي حدثت في يوم الاثنين، 5 سبتمبر 2016 في الحي الخامس عشر، أيْ في اليوم الذي تسلمتُ فيه وظيفتي مستشارةً لدعم اللاجئين في واحدة من كبرى المنظمات النمساوية العاملة في مجال حقوق الإنسان واللاجئين.
الحالتان توضحان العلاقة ما بين تمدد اليمين النمساوي والإرهاب باسم الإسلام.. إنها عقلية التطرف، وبسببها ندفع الثمن، ثمن كراهية الآخر وإقصائه. وقبلها بشهر واحد وفي أحد فروع البقالة نفسها في الحي السادس عشر حيث أسكن، ذهبتْ شقيقتي وابنتي لشراء بعض الضروريات، المدهش في الأمر أن ابنتي البالغة من العمر ثلاث عشرة سنة أرجعت للبائع مبلغاً يفوق ثلاثين يورو، لأنه أخطأ في الحساب وهو يعيد إليها بقية المائة يورو، فشكرها لأمانتها بلطف. وبعدها بزمن وجيز قامت البائعة الأخرى بتوجيه سهام الاتهام لابنتي وشقيقتي بافتراض أنهما لم تدفعا ثمن الفول المدمس الذي لا يتجاوز سعره اليورو الواحد! بعد مراجعة الفاتورة لكل المشتريات التي فاقت الخمسين يورو وُجد أن الفول المدمس قد تم دفع قيمته. من حسن الحظ أن شقيقتي ورغم أنها بالكاد تتحدث الألمانية لأنها ما زالت حديثة العهد بالنمسا، أصرت أن تتحدث مع المدير، ثم اتصلت بي فذهبتُ إلى البقالة وأنا في غاية الانزعاج، فكيف تتعرض ابنتي المولودة في “فيينّا” لهذا الموقف الأليم؟! ومن حسن الحظ، كان هناك من الزبائن مَن تدخل رافضاً هذا السلوك غير الإنساني؛ أحدهم ناشط تركي، عرفتُ ذلك من خلال ما أداره من حوار موضوعي مع البائعة وبقية العاملين في المحل. قلت لها: “من المؤلم أن تُتَّهم ابنتي وشقيقتي بسرقة كيس فول مدمس، وكونه صُنع في أمريكا لن يغير من حقيقة الاستغلال البشع لثروات بلادنا”. وقلت لها أيضاً: “هذا الفول يُزرع في السودان، فلا يغرّنك الورق الأنيق المغلف به، إنه من عرق من زرعوه لتحصده أمريكا وليُبَعْ هنا، وليس مصادفةً أن يكون الاتهام بسرقة فول مدمس”!
ووجهت كلامي للبائعة التي كانت -للأسف- مهاجرة أيضاً، كما تبدّى من طريقة نطقها للغة الألمانية: “لن يعفيك لونك من أن تقعي في فخ الألم نفسه الذي سببته لنا”.
تعرضت كثيراً للاستفزاز بوعي أو من غير وعي، نعم تعرضت لذلك في الغالب من نساء، يوحّدنا النوع ويفرّقنا اللون! مثال ذلك أن تتحدث معي إحداهن بطريقة تشير إلى أنني لا أفهم اللغة الألمانية، وبالطبع لا أعرف أن أتكلم بها.. وهي طريقة وصف تمضي في استخدام اللغة نفسها التي يستخدمها اليمين النمساوي، فاليمين المتطرف يرفض كل ما هو منتمٍ للآخر. حدث ذلك في أغلب المرات التي كان عليّ أن أكون فيها نزيلة أو زائرة للمستشفى. وفي مرة وقفت أستمع لطريقة الوصف للقسْم الذي عليّ أن أتجه لمتابعة حالتي فيه، قلت لها بعد وصفها بكل هذا العجن للّغة وتبسيطها بطريقة القواعد المكسرة إنّ لدي سؤالاً لها لو أمكن، اندهشتْ من طريقتي في الكلام والتي أكدت لها أن لغتي ليست كما صوّرها الحزب اليميني وأثرت في وعيها وهي ما زالت شابة يُتوقَّع منها الانفتاح على الحياة، وهذا لن يكون دون الآخر. طرحت عليها سؤالاً واحداً فقط: “كيف حصلتِ على هذا العمل وفي هذا المكان العالي في مهنيته وأنت تتحدثين بهذه الطريقة الركيكة؟”. لم أنتظر حتى تغلق فمها أو ترمش عينيها، وذهبت في طريقي وأنا أفكّر باعوجاج الصورة التي كوّنتها عني، فهي لا تعرفني شخصياً ولكنها تعرف أن لوني وشعري وكل جراحاتي تدلّ على هويتي.
نادراً ما تتم مناداتي باللقب الأكاديمي، وهذه ثقافة متعارف عليها في النمسا، حتى الذين حصلوا على الماجستير تتم مناداتهم بلقب “حامل الماستر”، وحاملو الدكتوراه تتم مخاطبتهم بـ: “دكتور” أو “بروف”… إلخ. وحين أنبه أحداً بأنه لم ينادِني بلقبي الأكاديمي يأتي السؤال: “تحصّلتِ عليه من هنا؟”، فأردّ: “وهل يمكن كتابته في الأوراق الرسمية إذا لم أنجزه هنا؟”. وتشتعل نار السؤال الأول الذي طرحتُه حين كان عليّ إجراء المعادلة: “ما الفرق بين الاعلام كدراسة هنا أو هناك؟”، ويكون الرد: “ما الذي يجبرك؟ إن لم يعجبك الحال عودي إلى بلادك، نحن لا نريد من ليست لديه القابلية ليندمج في بلادنا؟ لا نريد حجاباً ولا تلك العِمّة التي يلبسها هؤلاء الهنود”.
تكررت المواجهة، ولكنها مختلفة هذه المرة. كنت بدأت أنطق الألمانية ولكن ليس بطريقة جيدة، أما الرجل الذي يرتدي “عِمّة السيخ” فكان طلق اللسان وجريئاَ في قول وجهة نظرة. كنت ناشطة، ناشطة في المجتمع المدني، ولكنه اليمين.. لكنه التطرف الذي رمى بآثاره على الإنسان المهاجر ولم تنجُ الأجيال اللاحقة منه.
المدهش أنني وبعد قرابة عشرين عاماً زرت “هولابرون” لأقدم ورشة عمل عن تعزيز النساء اللاجئات في البيت المخصص للنساء اللائي يحتجن للحماية، أخذت مكاني في القطار وكانت تمطر، وعلى المقاعد القريبة مني جلست أسرة أصرّت أن تترك النافذه مفتوحة ورذاذ المطر يرشق وجهي بالبرد، قالت لي أمهم إنهم يحسون بالحرارة، ويمكنني أن أرجع إلى بلادي إذا لم يعجبني الأمر. كيف يحسون بالحرارة وهم يرتدون ملابس تقيهم من البرد؟
تضايق معظم الذين في العربة، ولكن “جيراني” لم يغيروا من موقفهم.. ونزلوا في المحطة نفسها في “هولابرون”، وساروا في الطريق نفسها التي أسير فيها، تخلّفت عن خطواتهم حين وقفت لإلقاء التحية المقدسة على صديقتي الشجرة الفارعة على بعد بضع مئات من الخطوات من المحطة، احتضنتْني حين لفظتني عنصرية هؤلاء، طمأنت قلبي أن “برونو كرايسكي” سيعود يوماً، ووعدتني بالثمر والظل والحنان وزقزقة عصافيرها لأجل جدّي الذي منحني تحياته “صُرة” للمستشار السابق “برونوكرايسكي”. الشجرة وحدها تعرف كم كان جدّي متجولاً بالراديو “الترانزيستور”.
في فترة الانتخابات يتم تشويه صورة الإنسان المهاجر، خاصة من قِبل حزب الحرية اليميني الذي قالت إحدى ممثلاته في جلسة برلمانية إن الأفارقة “بطبيعتهم عنيفون”. هذه العقلية تُطابق دعاية حزبها خلال الانتخابات، والتي تصور المرأة المسلمة بطريقة تشير إلى أنها مضطهَدة، ومَن يضطهدها؟ الرسالة الضمنية هي أن الرجل المسلم يضطهد المرأة، وأنه متخلّف مثله مثل الإفريقي، وأن المرأة الإفريقية يقع عليها اضطهاد أكبر، فهي تثير الشفقة لأنها مختونة ويمارَس عليها العنف منذ صغرها.
هذه الصورة التي نشرها حزب الحرية اليميني في دعايته الانتخابية؛ رسخت في أذهان إنسان الشارع، لذا يمكن أن نجد مبرراً حين يستوقفني رجل كبير في سنه ونادراً ما يكون نمساوياً بل من شرق أوروبا ويبدأ بالسؤال: “هل يمكننا أن نشرب قهوة مع بعضنا بعضاً؟”، ويأتي ردي بالرفض حتى للسؤال!
المحزن أن هذه العنصرية يمارسها بعض العرب تجاهي وتجاه غيري حين نتبادل الخبرات والتجارب المريرة. أحياناً يحدث هذا بلا وعي أو من دون قصد؛ كنا مرةً مدعوّين عند صديقة عربية، وكان الجو يفيض باللطف والكرم، وحين أتى الطعام عرضت علينا تناول قليل من “فستق العبيد”، ففار دمي لمجرد نطق الاسم وقبل أن أعرف أن المقصود به “الفول السوداني”.
لي زميلة من أم نمساوية وأب عربي، وكانت كل مرة تلمح إلى أنّ لغتي العربية أفضل رغم أن لا مقارنة، فالعربية هي لغتي الأم.. هي لغة أمي وأبي وأجدادي. فهل يحرمني لوني نعمة الحديث بها كما قالت فنانة عربية معروفة بأنها لا تفهم الغناء السوداني؟ وهل الغناء يُفهَم أم يُحَسّ؟ أو قول زميلة أخرى لي إن العرب لا يفهمون لهجتنا السودانية.. هذه ليست مشكلتي، ولن أتحدث إلا بلهجتي، لن أحكي باللهجة السورية التي أحبها ولا بالمصرية التي أعرفها. هكذا بمنتهى الوعي أتحدث كيفما بدأ لساني.
أؤكد أن ما حدث لي حدث لغيري أيضاً، وبشكل أكثر قسوة وعنفاً، ولكن هذه التجارب المريرة سبّبت لي الكثير من الجروح الغائرة، وضجيج جروح لا ينتهي للسعات الوعي التي لم تتركني أنام، فلا بد لهذه الجراحات أن تُزهر، وكنت أعرف أنها تتفتح وتشرق لأجل المزيد من الوعي، فكيف أزهرت؟ هذه هي الحكاية التي أشارت إلى “الفراغ العريض”؛ إلى “روزا باركس”، “مارتن لوثر كينغ”، “ماي آيم”، “انجيلا ديفيز”.. إلى “شيباني فاغوي” و”ماركوس اموفوما” وكل من غرقوا في البحر أو في رمال الصحراء خلال بحثهم..
بحثهم عن خلاص وليس عن جنة في الأرض.

————————————–
فصل من الدانوب يعرفني، الوجه الآخر لسيرة الأنهار

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن