مصنع سكر عسلاية .. تفاصيل اهلاك اهل القرى، ونتائج علمية مخيفة !!

مصنع سكر عسلاية
03-21-2013 

تحقيق: محمد محمود الصبحي
في ذات صباح مُشبع بالاسى من صباحات الوطن امتطى الحاج ( عطا المنان ) صهوة حماره الهزيل ميماً شطر ( الجروف ) قبالة النيل لمعرفة مصير زراعته بعد ان لاحظ ان الانتاج في المواسم الاخيرة اصبح غير مبشراً ببساطة اهلنا بالقرى ظن الحاج عطا المنان حسناً وربط المسألة بالاقدار والارزاق وهو يرى الانحسار الكبير للانتاج وتضاءله من موسم لاخر مرت سنوات حتى هجر زرعه وهو وعدد كبير من اهل القرى الذين يزرعون على شط النيل الابيض واغلق باب كبير للرزق لهؤلاء بفعل مخططي الانتاج من مصنع سكر عسلاية وظهرت الامراض امثال البلهارسيا والفشل الكلوي والسرطانات وغيرها بصورة قاتلة واصاب الانعام الهزال ومات جزء كبير منها كل هذا بسبب تلوث النيل بمخلفات مصنع السكر هذه الاثار السالبة لها اثر كبير في حياة الناس وقد يمتد الاثر لعشرات السنوات ويدفع الناس في بلدي فاتورة انتاج السكر من هذا البعبع القاتل الذي يسمى مصنع سكر عسلاية تبدد حلم الزراعة وماتت المواشي واطبق الفقر فكيه على المنتجين منهم من هجر القرى ومنهم من اتجه صوب المصنع الذي دمر حياتهم ليعمل حتى يحصل على اجر يسد به الرمق ويامن به من الجوع والخوف لكي يحقق الحد الادنى من الامن الغذائي له ولاسرته وعلى الرغم من ان المصنع هو سبب ماساتهم ومعاناتهم نجدهم يقفون على هامش المهن من طبقة العمال الموسميين لم تشفع لهم اراضي اجدادهم التي استحوذ عليها المصنع ولا زرعهم وضرعهم الذي فقدوه بسبب التلوث البيئ الذي احدثته مخلفات صناعة السكر انها المعاناة تقف شاهداً على قدميين وساقيين في واقع مرير لا يحلية كل انتاج السنين التي مضت من السكر ..
نتائج علمية مخيفة !!

في العام 2005 توصلت الباحثة رجاء عبدالرحمن علي الزين منسق جمعية تقانة المياه وعضو المشاركة السودانية للمياه بتدوين ملاحظاتها على نوتة البحث الذي عزمت ان تجريه في منطقة الجاسر فمن اولى الملاحظات لرجاء هي وفرة الاسماك في العام 2000 في الجانب الجنوبي من الجاسر ولكنها كانت تحس بانها غير طازجة وسريعة التلف ومتغيرة اللون وفي نفسها رجحت ان يكون ذلك بسبب العكارة الزائدة أو كمية المخلفات المعروفة كانت تلك بداية اثارة فضولها كباحثة.. سجلت رجاء للدراسة في اكاديمية السوان للعلوم حيث صُنف بحثها كمشروع بحثي ضمن برامج الهندسة البيئية لدراسات البحوث والتطوير.
اخذت رجاء في تدوين ملاحظات بحثها حيث لاحظت ان مجرى مخلفات الصناعة والفائض من الذي يمر بقرى

المخلَّفات تمتزج بمياه النيل

عديدة حجر عسلاية- والدانكوج وهي قرى تفتقر الى شبكة مياه شرب ولذلك فان مجرى المخلفات هو المصدر الاساسي لحل اشكالية مياه الشرب والاعمال المنزلية لمواطني تلك القرى. تقول رجاء في بحثها ان التخلص من المخلفات الصناعية في المجاري المائية بعد المعالجة هو امر شائع رغم التجاوزات لكنها ترى ان مصنع عسلاية تحديداً هو الاكثر خطورة مقارنة بكل مصانع العالم التي تتخلص من مخلفاتها في الانهر خاصة اذا اعتبرنا ان منطقة الجاسر ذات خصوصية بسبب الحاجز الترابي وليس جسر وكوبري يسمح بمرور المياه مما يزيد الامر تعقيداً، ويؤدي الى حدوث اثراء غذائي وطفرات وراثية على الكائنات الحية في تلك المنطقة أي تحور في شكل الكائنات مثل سمكة في شكل ضفدع كل ذلك بسبب الافراط في التلوث.
وتستمر رجاء في عرض البحث الذي اوردته من خلالة نظرية قديمة على اساسها يسمح لبعض الصناعات بالتخلص من المخلفات المعالجة في النهر وهي نظرية solution of pollution is dalution) ( ولكن ما تقوم به عسلاية في تلك المنطقة المغلقة ادى لتركيز التلوث وبالتالي خالف النظرية.
صناعة السكر على حد قول رجاء ليست من الصناعات التي تخلف مواداً ضارة ولكن لاي مصنع ملحقات ورش- بطاريات عربات زيوت ثقيلة- غسيل ماكينات) ومن ذلك وجدت رجاء ان مخزن الاسمدة يحوي اسمدة تالفة تم التخلص منها بطريقة عشوائية في الخارج مما ادى الى رجوعها عبر مياه الامطار الى مجرى المخلفات وبالتالي تزيد من كمية المخلفات الخطرة في النيل
نتائج مخيفة
وكذلك البطاريات تم اخراجها وتركها تحت اشعة الشمس حتى تحلل الرصاص الذي تحويه وايضاً بذات الطريقة وعبر مياه الامطار جرفت الى النيل ومن ثم قامت الباحثة باخذ عينة مياه وحللتها في معمل للإستشارات الصناعية ومعهد ابحاث البيئة والموارد الطبيعية وقد كانت العينات من النقاط الآتية- بداية المجرى عند طلوعه من المصنع ومن منتصف المسافة بين المصنع والنيل وعند نقطة إلتقاء المجرى بالنيل ومن منتصف المسافة نقطة التقاء المجرى بالنيل ونهاية الجاسر»، كما اخذت عينة مقارنة من الجانب الايمن للنيل اي منطقة الاتيمه .
حيث وجدت ان نسبة الرصاص في بداية المجرى ومنتصفه وعند التقاء المجرى بالنيل كانت عالية جداً ولكن العينات من النيل كانت نسبة الرصاص فيها قليلة جداً مما يشير الى ان النسبة تم امتصاصها بثلاثة احتمالات اما ان يكون امتصاص بواسطة الكائنات الحية اسماك- ضفادع وغيرها أو بواسطة النباتات واعشاب النيل أو تكون ترسبت في التربة، وترى رجاء ان هذه الاحتمالات يجب ان تكون فرضية لبحوث قادمة خاصة اذا كانت المعادلة كما ذكرتها في السابق لنتيجة الرصاص وهي صارقيل- سمكة- انسان فتراكمه في السلسلة الغذائية يعد خطراً على صحة الانسان.
ومن النتائج التي توصل اليها البحث وهي (COD) والذي يعني كمية الاوكسجين المطلوب لتتمكن البكتيريا من تحليل المواد العضوية في عينة ملح/لتر من المياه. اضافة الى (BOD) وهو كمية الاوكسجين المطلوب لتتمكن البكتريا من تحليل المواد الكيميائية في عينة المياه، فالنتيجة هي ان البكتريا محتاجة كمية أوكسجين تفوق حد التصور لتتمكن من التحليل اي ان البكتريا غير قادرة على التحليل وهذا ما نتج عنه الطفرات الوراثية للكائنات الحية وظهور الجزئيات المعقدة والذي يؤدي الى خلل في النظام البيئي في منطقة الجاسر.
الاثار السالبة
على الرغم من مرور ما يقارب الثماني سنوات على دراسة رجاء الا ان الاثار البيئية السالبة التي توصلت اليها مازال الانسان يعاني منها بصورة خطيرة جدا بل تضاعفت بصورة مخيفة الامر الذي دفع ادارة المصنع للعمل في تدوير المياه هذه الخطة نجحت جزيئا في عدم اتجاه المياه الملوثه الى مصب النهر الا انها بدأت في التسرب اضافة الى ان اثارها التاريخية مازالت موجودة حيث تحصلت الصحيفة على تقرير عن مياه مصرف مصنع سكر عسلاية صادر عن ادارة صحة البيئة بولاية النيل الابيض حيث افاد مدير الاداره انه قام بمرافقة خبير الصحة العالمية ( كواش كاشم ) ايراني الجنسية وكان تقييمه بان مياه مصرف عسلاية ملوثة بمواد عضوية وغير صالحة لاستهلاك الانسان ويتم تصريفها قرب الجاسر وضارة بالبيئة .
مأساة اهل القرى
يتضح لنا من خلال التقرير والجولة التي قامت بها الجريدة بالمناطق المتضرره من تلوث المياه ان الوضع مأساوي الى درجة كبيرة جدا حيث خرجت اكثر من الف وخمسمائة فدان خارج دائرة الانتاج من عام 1994م الى عام 2013م أي مايقارب عشرون عام الامر الذي جعل الفقر عنوانا بارزا لاهل تلك القرى حيث سد باب الرزق في وجههم ولم يختصر الامر على ذلك بل نفقت ماشيتهم وانتشرت امراض مثل البلهارسيا والسرطانات والفشل الكلوي وشبح الموت ظل يهددهم اكثر من سكان المناطق التي تشهد صراعات وحروب وادارة المصنع لايعنيها الامر كثيرا وهي تخرص صوت هؤلاء بالتماطل والتمادي في جريمة التلوث ويزداد الانتاج على جماجم هؤلاء رغم ان صوتهم عالى والان لديهم قضية امام القضاء ظلت لسنين حبيسة الادراج كلما يفصل فيها تستانف الشركة الحكم على الرغم من قناعة الاهالي ان التعويض لن يعيد ايامهم الخوالي ولن يعيد الموتى وصحة الاحياء الا انهم يعتبرونه حقا مشروعا يجب اخذه عن طريق القانون الا ان نذر تمرد وسطي يلوح في الافق ان لم يتدارك المسؤولين الامر .
من المحرر
جسلنا الى عدد كبير من سكان قرى حجر عسلاية الذين بدأ رهق السنوات ومصارعة الطبيعة الملوثة يبدو على وجوههم منهم من رحل ومنهم من ينتظر نحبه بفعل التلوث البيئي الذي غمر حياتهم وصادر بهجتهم وانتاجهم وجعل حياتهم الجميلة الهادئة تتحول الى جحيم لايطاق سدت ابواب الرزق وارضهم البكر باتت حبلى بالتلوث وهي تنجب لهم يوميا مأساة حتى تراكمت المأسي وصاروا يرفلون في بركة ماء التلوث الاسنه ومصنع عسلاية ينتج السكر على الالام الناس بدلا ان ينمي المنطقة اهلكها وافقر اهلها والجهات المسؤولة عن حياة الناس صحتهم وتامين حياتهم من الجوع والخوف ظلت تغض الطرف عن الذي يحدث من حولها وهي تشترك بصمتها حيال ما يحدث الان على اعين الاشهاد والصورة حافلة بالماساة الانسانية التي تفوق تصورنا انها قمة الماساة وشركة السكر السودانية يغيب عنها الحلول المنطقية التي تعيد مباهج الحياة للناس التي سرقها انتاج السكر فغياب التخطيط العلمي الذي يجعل المصنع صديقا للبيئة توارت خلف ابواب البيروقراطيين الجدد فالمسؤلية الاجتماعية تتخطى ادارة المصنع وادارة شركة السكر وتشمل حكومة الولاية اولا والحكومة الاتحادية ثانيا ان كان فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاضرا عندما قال لو عثرت بقرة بالعراق لسئلت عنها لماذا لم اسوي لها الطريق , والان في هذا الزمان لم تتعثر البقرة فقط بل الناس يموتون من التلوث البيئي الذي افرزته شركة السكر متمثلة في مصنع عسلاية يا ترى ماذا يقولون هؤلاء لله .

alsabahi99@yahoo.com

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن