(وإذا أُصـيـب القـــوم في أخـلاقـهــــم *** فـأقـــمْ عـلـيـهـــم مـأتـمـــاً وعــويــلا) بين شوقي وطوقان

وإذا أُصيب القوم فى أخلاقهم*** فأقم عليهم مأتماً وعويلا
بين شوقي وطوقان

 

منذ أن نظم أمير الشعراء أحمد شوقي رائعته (الُمعلِّم)؛ ما فتئ المعلمون يرددون مطلعها الشهير على مسامع تلاميذهم في الطوابير الصباحية وفي قاعات الدرس، وبمناسبة وبغير مناسبة، عدا معلمٌ واحد هو المعلم والشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان؛ والذي كان له رأي آخر حول هذه القصيدة، صاغه في قصيدة أخرى لا تقل روعةً عن قصيدة شوقي، بيد أن قصيدة أمير الشعراء كانت من الشعر الجاد وقصيدة طوقان من الشعر الفكاهي الطريف (الكوميدي).

 

استهل شوقي قصيدته بذلك المطلع الرائع الذي يحفظه اليوم كل من ينطق بالعربية، منوهاً بالدور العظيم الذي يلعبه المعلم والرسالة السامية التي يؤديها، داعياً إلى أن يقابل هذا المربِّي بما يستحقه من تجلة وتكريم:

 

قــــم للـمـعــلــــم وفـــــِّه التبـجــيـلا *** كـاد الــمــعــلـــــم أن يكـون رســــولا
أعلـمــت أشـرف أو أجــل مـن الـذي *** يــبــني ويـنشــئُ أنفـســـاً وعـقـــولا

 

ثم أشار إلى نعمة العلم الذي أنعم الله به على خلقه وهداهم إلى وسائله وأسبابه، فأرسل رسله مبشرين ومنذرين لإخراج البشرية من ظلمات الكفر والغي والجهل إلى نور الإيمان والعلم والرشاد.

 

سـبـحــانـك اللـهــــم؛ خـير مـعـلــــم *** عـلًّـمـــت بالـقـلــــم الـقـــرون الأولى
أخرجــت هـذا العـقـــل مـن ظلـمـاتـه *** وهــديـتــه النـور الـمــبــين ســبـيــلا
أرسـلـت بالتـوراة مـوسـى مرشــــداً *** وابـن الـبـتـول، فــعــلـَّـــم الإنـجــيــلا
وفـجــــرت يـنـبـوع البـيـان محـمــَّداً *** فسـقــى الـحــديـث، ونـاول التـنـزيـلا

 

بعد ذلك يبين أمير الشعراء كيف تخلينا عن الأخذ بأسباب العلوم؛ فتخلفت أمتنا عن ركب الحضارة والتقدم، وصرنا في ذيل الأمم، بعد أن كنا قادة العالم وسادة البشرية ورادة الحضارة والمدنية.

 

من مشرق الأرض الشموس تظاهرت *** مـا بال مــغــــربــهـــا عـلــيــه أُديــلا
يا أرضُ مـذ فـقـد المعـلـــم نـفـســـَـه *** بيـن الشـمـوس وبيـن شـرقــك حِـيـلا
حتى رأيـنـا مـصـــر تخطـو إصبـعـــاً *** في العـلــم، إن مـشــت الممـالك مِـيـلا
إن الذيـن بـنـى الـمـســلـَّــة جـدَّهــــم *** لا يـحــســـنــون لإبــرةٍ تـشــكـــيــلا

 

ثم ينتقل شوقي نقلة رائعة ليدعو الأمة إلى الأخذ بمقومات الحضارة ودعائم التقدم والرقي، ملخِّصاً ذلك في العلم والعدل والأخلاق.

 

إن الشجــاعـــــة في القـلـوب كثـيـرةٌ *** ووجــدت شجـعـــان العـقــول قـلـيــلا
الـجـهــل لا تـحـيـا عليـه جـمـاعـــــةٌ *** كـيـف الـحــيـاةُ على يــدي عِــزريـلا
وإذا الـنســـــاء نـشـــأن في أمــِّيـــَّةٍ *** رضــع الـرجــال جـهـالــةً وخـمــــولا
ربـوا على الإنصــاف فتيان الحـمــى *** تـجــدوهـــمُ كهــفَ الحـقــوق كهــولا
فهـو الـذي يبـني الطـبـاعَ قـويمـــــةً *** وهــو الـذي يبـني النـفــوسَ عـــدولا
وإذا المـعـلـــمُ لم يـكـن عــدلاً مـشـى *** روحُ العــدالــة في الشــبـاب ضـئـيـلا
وإذا أُصـيـب القـــوم في أخـلاقـهــــم *** فـأقـــمْ عـلـيـهـــم مـأتـمـــاً وعــويــلا

 

ثم يختم أمير الشعراء رائعته بالتنبيه إلى دور الأسرة وأهميته البالغة في تربية النشء وتعليمهم؛ فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى؛ فلا بد من اهتمامها بالأبناء ولا بد من التعاون وتضافر الجهود بينها وبين المدرسة لتربية الأجيال وغرس قيم الفضيلة والحق في نفوسهم.

 

ليـس اليتـيـم مـن انتـهـى أبـواه مـن *** هــــمِّ الـحـــيـــاة وخــلَّــفـــــاه ذلـيــلا
فـأصـاب بالدنيـا الحكيــمـــة منهـمــا *** وبـحـســـن تربـيـــة الـزمـــان بـديــلا
إن اليـتـيـــم هـــو الـذي تـلـقــى لــه *** أمـَّــاً تـخــلَّــت أو أبــاً مــشــغــــــولا

 

ثم جاء إبراهيم طوقان. وهو شاعر فلسطيني ولد عام 1905م؛ وشوقي حينذاك في السابعة والثلاثين من العمر، شاعر ناضج قد طبقت شهرته الآفاق. وطوقان شاعر رقيق، له ديوان شعر جمعته شقيقته الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، سجل فيه كافة الأحداث التي وقعت في وطنه قبل النكبة، بالإضافة إلى العديد من الأناشيد الوطنية وقصائد في أغراض أخرى مثل الغزل والرثاء والإخوانيات. وقد توفي طوقان في ريعان شبابه عام 1941م، إذ لم يكن قد تجاوز السادسة والثلاثين من عمره. حاله في ذلك مثل حال اثنين من رصفائه ومعاصريه؛ هما الشاعر السوداني التيجاني يوسف بشير (1912-1937) والشاعر التونسي أبو القاسم الشابي (1909-1934) وقد توفي كلاهما وهو لا يزال ابن خمسة وعشرين ربيعاً فقط. جاء طوقان، الذي كان يعمل مدرساً للغة العربية، ليعارض قصيدة شوقي بقصيدة طريفة، بعنوان (الشاعر المعلِّم)، تصف مدى البؤس والمعاناة التي يكابدها المعلِّم مع التلاميذ الصغار. فالمعلم لدى طوقان لا يستحق هذا القيام والتبجيل الذي دعا إليه أمير الشعراء.

 

شوقي يقــول، ومـا درى بمصـيـبـتي *** قـــــم للـمـعــلــــم وفـــــِّه التبـجــيــلا
اقـعـــدْ فــديـتــك هـل يكـون مـبجـــلاً *** مـن كان للنـشء الصـغــــــار خـلـيـلا
ويكاد يـفــلـقــني الأمـيرُ بـقـــولــــه: *** كـاد الـمــعــلـــــم أن يكـون رســـولا

 

وشوقي شاعر من شعراء البلاط تمرَّغ في النعمة وعاش حياة الرغد والرفاهية؛ ولم يجرِّب ما يكابده المعلم من توتر ونفاد صبر وانفعالات عصبية وضغوط نفسية؛ مردُّها جميعاً إلى التعامل مع هؤلاء الصغار.

 

لو جـرَّب التعـلـيـمَ شـوقـي سـاعـــــةً *** لقضى الـحـيـاةَ تعـاســــةً وخــمـــولا
حـســب الـمعـلـــم غــمــــــةً وكـآبــةً *** مــرأى الـدفـاتــر بـكـــرةً وأصـيـــلا
مـائـةٌ على مـائـةٍ إذا هـي صُحِّـحـــت *** وجَــدَ العـمـى نحــو العـيـون سـبيـلا

 

فها هو ذا المعلم يبذل كلَّ جهدٍ ممكن ليشرح الدرسَ للتلاميذ، ويستخدم كافة وسائل الإيضاح المتاحة، ويستعين بالأمثلة والشواهد والقرائن. ولكن ما هي النتيجة؟!

 

ولـو انَّ في التصحـيـح نفـعــاً يرتجـى *** مـا كنـت ويحـك بالـعــيــون بخــيـلا
لـكـن أُصـلِّــحُ غـلـطــــــةً نـحـــويـــةً *** مـثـلاً، وأتَّـخِــــــذُ الكـتـاب دلــيـــلا
مـستـشــهــداً بـالـغـــــرِّ مــن آيـاتــه *** أو بالـحــديــث مـفـصَّــلاً تفـصـيــلا
وأغوص في الشـعـــر القـديـم فأنتقـي *** مـا لـيـس مـبـتــذلاً ولا مـنـحـــــولا
وأكاد أبـعــث ســيـبــويــْهِ مـن الـبـلى *** وذويــه مـن أهـــل الـقــرون الأولى
فــأرى حـــمــــاراً بـعـــد ذلـك كــلِّـــه *** رفـــع الـمـضــافَ إليـه والـمفعــولا

 

فالمعلم الذي يرى شوقي أنه يؤدي رسالة تكاد تماثل رسالات الأنبياء، وأنه يربي أجيالاً، وينشئ أنفساً وعقولا، هو عند طوقان شخص بائسٌ معذَّب يعيش حياة النكد والكآبة، وهي فرصة سانحة لكل من يريد أن يضع لحياته حدَّاً أن يمارس مهنة التدريس؛ فالمعلم لا يُعمَّر في الحياة إلا قليلا.

 

لا تعـجـبـوا إن صحـت يومــاً صيـحــةً *** ووقـعـــت مــا بين البـنـوك قـتـيـــلا
يـا مــن يـريــد الانـتـحـــارَ وجـــدتــه *** إن الـمـعـلـــــم لا يعــيـش طــويـــلا

 

ولا شك أنك تدرك؛ عزيزي القارئ، أن الشاعر إبراهيم طوقان ما كان يقصد الإساءة إلى تلك المهنة الإنسانية النبيلة أو إلى من يمتهنونها من أساتذة ومربين؛ ولا إلى النيل من أبنائنا التلاميذ الصغار، ولكنه أراد أن يرسم البسمة على شفاهنا بهذه القصيدة الكوميدية التي تصف حال المعلم بأسلوبٍ ساخرٍ يفيض طرافةً ودعابةً ومرحا.

 

وطوقان ليس وحده من رثى لحال المعلم وترجم معاناته شعراً تردده الألسن. فقد قال معلم آخر، وما أكثر المعلمين الذين يحسنون نظم القريض:

 

صـغـــارٌ نربِّيهــم بـمـثـل عـقــولـهـــم *** ونبـنـيـهــمـــــــو، لكنـنــا نـتـهـــــدَّمُ
فـمـــن كان يـرثـي مـنـكـــمُ لـمــعـــذَّبٍ *** فـأجـدر شخـصٍ بالـرِّثـاء الـمـعــلِّــــمُ
على كتفـيـه يرتـقــي الـمـجــــدَ غـيـرُهُ *** ومــا هـــو إلا للتـســــلـُّـقِ سُــلَّــــــمُ

 

بـقـلـــــم: إسـمـــاعـيــل الـبـشــــير عــــلـــــــي

 

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

2 Comments

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن