هل الدين هو مصدر الأخلاق؟

هل الدين هو مصدر الأخلاق؟

تامر عمر – 2014
قبل أن تمتدحنى أو تذمنى .. قبل أن تشتمنى أو تحتفى بى، أرجوك .. أرجوك .. تجرد قليلاً من مشاعرك وحكِّم عقلك فقط. لا أريد منك سوى التفكير بالعقل والمنطق.
تعال على نفسك وفكر …
* * *
تستقر فى وجدان وضمائر أبناء الديانات السماوية (يهودية ومسيحية وإسلام) أن الأخلاق مصدرها إلهى سماوى، وأن الله الذى أمرنا بالتحلى بالأخلاق القويمة فى شرائعه هو نفسه الذى سوف يعاقبنا ويحاسبنا إذا ما تجاهلنا وصاياه الأخلاقية، وأنه بغير الدين والشريعة لا يهتم الإنسان بالأخلاق ولا يعيرها إلتفاتاً.
والحقيقة أن الديانات الإبراهيمية (يهودية ومسيحية وإسلام)، تلعب فعلاً دوراً مهماً وفعالاً فى ضبط السلوك الإنسانى فى تلك المجتمعات، إذ يؤمن أبناء الديانات الثلاثة بأن الله رقيب على أفعال عباده، وأنه يثيب ويعاقب على تلك الأفعال. ويتصور أبناء تلك المجتمعات أن بدون الدين تنهدم الأخلاق، ولا يعود للفرد فى المجتمع من ضابط ولا رادع، ويتصورون المجتمع بلا دين باعتباره مجرد جبلاية قرود. لكن هذا التصور، فى الواقع غير صحيح. كيف؟
إذا سألت يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً: (هل البوذية دين، بمعنى أنها رسالة سماوية أنزلها الله على نبى؟) سيجيب على الفور: (بالطبع لا). فإذا سألته: (المجتمع اليابانى يدين فى أغلبيته بالديانة البوذية، التى هى ليس لها أصل سماوى، فإذا كان الدين هو مصدر الأخلاق، وكانت الأخلاق ذات أصل سماوى، فبماذا تفسر أن المجتمع اليابانى أكثر تهذيباً من مجتمعات الشرق الأوسط التى يدين معظم شعوبها بالإسلام ثم المسيحية ثم اليهودية على التوالى؟). لأنه مبرمج على الإجابة بلا إعمال عقل، سيقفز محدثك إلى الإجابة التالية: (مشكلة سوء الأخلاق ليست مشكلة الدين، فالدين يحض على الأخلاق لكن الناس لا يستجيبون. إنها مشكلة الناس وليست مشكلة الدين). ولهذا الأخ أقول: آسف، الإجابة من خارج المقرر! أنا أسألك عن ديانة أخرى وكيف وهى غير سماوية حملت مجتمعاً على أن تكون أخلاقه أفضل من أخلاق مجتمعك. أنا لم أسألك عن مشكلة إتباع أو عدم إتباع الناس لوصايا وتعاليم الإسلام أو المسيحية أو اليهودية! أنا أسألك تحديداً: إذا كان مصدر الأخلاق هو الدين (الذى هو يجب أن يكون سماوياً فى نظر حضرتك، وإلا يكون ديناً مزيفاً)، فكيف تكون النتيجة أن اليابانيين أكثر تهذيباً منا نحن أبناء الديانات السماوية؟
فى عز جاهلية العرب قبل الإسلام، كان هؤلاء “الجهلة” أصحاب مكارم أخلاق. وقد أمّن النبى على تلك الحقيقة بأن قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. والكلام واضح: لقد كانت هناك مكارم أخلاق، وبعث النبى لا ليرسيها ويزرعها، وإنما فقط ليتممها ويكملها.
نفس المنطق ينطبق على كافة المجتمعات الإنسانية فى الماضى، وحتى قبل ظهور الأديان السماوية. حيث يطالعنا التاريخ المصرى القديم والحضارة السومرية والصينية والهندية، قبل ظهور الديانات السماوية بآلاف السنين، يطالعنا هذا التاريخ بنصوص واضحة لا لبس فيها تمتدح وتحض على الأخلاق القويمة، وتذم وتقدح فى الأخلاق الوضيعة. ليس ذلك فحسب، وإنما تطالعك فى هذا التاريخ نصوص “قانونية” تستند إلى منظومة أخلاقية لا يرقى إليها الشك، وطالع كما تحب التاريخ المصرى القديم وتاريخ منطقة وادى الرافدين لتتأكد من ذلك.
الآن: إن لم يكن الدين هو مصدر الأخلاق، فما هو إذن هذا المصدر؟ هذا سؤال غويط عميق حيّر الفلاسفة ودوخهم منذ فجر الإنسانية، ومن شدة تواضعهم، لا يزالون يناقشونه حتى وقتنا هذا. بينما هذا السؤال نفسه، بسطه وسطحه واختزله وخففه واستخف به رجال الدين، بأنانية مفرطة ونرجسية فاقعة وانحياز متعصب أعور، مدعين أن مصدر الأخلاق هو الدين الذى هم رجاله وكهنته. والمسألة يا أصدقائى، كما علمنا من الفقرات السابقة، ليست أبداً كذلك.
الأخلاق أسبق وأعمق كثيراً من الدين. الأخلاق هى الإستجابة السلوكية الطبيعية لشىء موجود لدينا جميعاً، وعلى اختلاف الأديان والأمكنة والأزمان، هذا الشىء إسمه: الضمير. أنت تعلم أن أى جهاز حاسب آلى تشتريه يكون محمّلاً عليه ما يسمى بالــ (Disk Operating System “D.O.S.”). هذا النظام الأساسى يمكنّك أن تحمّل عليه فيما بعد ما تحب من أنظمة التشغيل: (Windows 8, 7, XP)، ولكن بدون هذا الـــ “D.O.S.”، لا قيمة لأى نظام تختاره لأنه لن يعمل من الأساس، أليس كذلك؟ كذلك الضمير، فهو بمثابة الـــ “D.O.S.” لدينا جميعاً، وعلى اختلاف دياناتنا (أو غير دياناتنا بالمناسبة !!). وكل ما فى الأمر أنك إذا اخترت الإسلام مثلاً فهو بمثابة (Windows 8)، ولو اخترت المسيحية مثلاً، فهى بمثابة (Windows 7)، وهكذا (الواقع أنك لا تختار، ولكن يُحمّل داخلك الـــ System بواسطة أسرتك، بلا إرادة منك، ولكن تلك مسألة أخرى!!). وكل نظام من هؤلاء يعمل تحت مظلة، ويتضافر مع النظام الأصلى الموجود فينا جميعاً، الذى هو الـــ “D.O.S.” .. أقصد الضمير! وهكذا، يتساوى المسلم مع البوذى مع الملحد مع المسيحى مع الكونفوشى مع اللادينى مع اليهودى مع الزرادشتى مع المجوسى فى امتلاك الضمير، وهذا الضمير وحده هو ما تُبنى عليه الديانات والمعتقدات، سواء السماوية منها أو الوضعية أو الفكرية، وهو ما يفسر اتفاق الناس – على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم ومعتقداتهم – على الأخلاق ومبادئها، فى تطابق مذهل عبر المكان والزمان.
بل دعنى أدهشك بما هو أبعد. هل تعتقد أن الضمير حكرٌ على الإنسان فقط؟ أبداً! هل للحيوان عقل؟ بالطبع لا، أو على الأقل، ليس لديه عقل بالمعنى الذى يجعله مؤهلاً لأن يُكلف ويحاسب على أفعاله بالمفهوم الدينى. لكن، لدهشتك، هذا الحيوان الذى بلا عقل لديه ضمير! عندما تعطى بإرادتك لقِطّةٍ لقمة لتأكلها، فإنها ستأكلها تحت قدميك منتظرة المزيد. أما إذا خطفت القطة اللقمة من على مائدتك، فإنها لن تنتظر منك المزيد، وستجرى باللقمة تأكلها بعيداً عنك ولن تورّيك وشّها مرة أخرى، ذلك لأنها تعلم أنها قد “سرقت”، ولأنها تعلم أن السرقة خطأ! وبما أننا نعلم أن القطة لم يبعث إليها نبى بتعاليم أو شريعة تحلل الحلال وتحرم الحرام، فمن الواجب أن نتصور أنه حتى الحيوان، وإن لم يكن ذا عقل، فهو بالتأكيد ذو ضمير، وهذا الضمير هو منبع الأخلاق ومصدرها، بصرف النظر عن ديانة أو شريعة أو لا ديانة ولا شريعة، وحتى بصرف النظر عن نوع الكائن: إنسان أو حيوان.
لماذا نصر نحن أبناء الديانات السماوية على اعتبار أن الدين، ودياناتنا السماوية تحديداً، هى مصدر الأخلاق، فى نرجسية متعالية على باقى أهل الأرض من المتعوسين ذوى الحظ النكد بدياناتهم الوضعية؟ بذمتك يا مؤمن: أيهما أكثر تهذيباً وتحضراً ورقياً، الشعب اليابانى البوذى، أم الشعب المصرى المسلم / المسيحى؟
تعال على نفسك وفكر …

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن