جواز ” ثورة الإنقاذ ” – إقبال صالح بانقا

الشاعرة و الاديبة إقبال صالح بانقا

               الاربعاء 19 ابريل 2017م

الطيب صالح

في صنعاء ذات القوام الرشيق والسمت المميز، لقيت صديقي سيد أحمد الحردلو، الشاعر الموهوب، الذي كان سفيرا ناجحا للسودان في اليمن. وجدت أنهم خلعوه من عمله. كل عهد تجود به علينا الأيام، لا تقر عينه حتي يعزل أفواجا من السفراء والضباط والوكلاء والمدراء ومن هم أدني من ذلك. كأنهم يقلعون أشجارا بدأت تثمر ليزرعوا مكانها أشجارا أخر. وينتظرون الحصاد، ويقولون أن ذلك لمصلحة الوطن. إنه يعلم أنك لا تذبح الناقة الحلوب، ولا تعقر الجمل الطروب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضحكتُ أيضاً ونحن نغادر مطار ” قرطاج” لأنني تذكرت كيف حصلتُ على ذلك الجواز الأخضر العسير المنال ، جواز ” ثورة الإنقاذ ” . ولو كان السفير غير ذلك الرجل المقدام ، لعلني لم أكُن أحصُل عليه . وهم حين يسمحون لكَ به ، كأنما يستودعونك همّاً مقيماً كما رأيت .
هذه الكلمات التي كانت أيام السودان ” سودان ” والريحُ رخاء ، والسفينة لم يصبها العطب ، وسواعد الملاحين لم يفت منها الوهن . بعد أن كانت تُؤخذُ مأخذ الجد ، لم تعُد لها قيمة . أصبحت تُثير الريبة والحذر:
” يطلب السيد وزير الداخلية بجمهورية السودان ، من جميع أصحاب الاختصاص ، أن يسمحوا لحامل هذا الجواز ، والذي هو سوداني ، حرية المرور ، بدون تأخير ، وأن يقدموا له كل مساعدة وحماية قد يحتاج إليها “.
وهب أن ذلك لم يحدث ، فماذا تفعل ؟ وإذا كنت أنتَ لا تساعد رعاياك وتحميهم فوق أرضهم وفي أكناف موطنهم ، فلماذا تطلب من الآخرين أن ” يقدموا لهم كل مساعدة وحماية “.
عفا الله عنهم ، ما أشد ما عملوا بالوطن . كان طفلاً يبني قلاعاً من الرمال على شاطئ البحر ، ما يلبث أن يهدمها ثم يعيد بناءها من جديد . أصبح الناس قلوبهم شتى ، وكان الهم واحداً ، فأصبح هماً وثانياً وثالثاً .
وما كان أهون أن أطرح عني هذا العبء ، وأقطع الحبل السري الذي يربطني إلى هذا الوطن المستحيل . ما كان أسهل أن أبدل تابعية بتابعية ، وجوازاًُ بجواز ، لكن حاشا . والله لن أفعل . سوف أظل أتشبث بهذا الجواز كالذي يقبض على الجمر ، أمشي به في مناكب الأرض بإصرار فيه معنى التحدي والغيظ والحسرة .
أي سودان يمثله هذا الجواز ؟ هذا السودان المؤقت ؟ أم السودان في صيرورته اللا متناهية ؟ سودان أصحابنا هؤلاء الذي رفعوا المصاحف الشريفة على أسنة الرماح ؟ أم سودان الرجال والنساء الذين مشوا على الأرض هوناً ، ودفعوا بالتي هي أحسن ، وربطوا البطون على الطوى ، تحسبهم أغنياء من التعفف ؟ بسامون في الضحوات ، بكاءون من خشية الله بالعشيات ، متحزمون متلزمون في الملمات . علموا أن العدل والرحمة صنوان . “وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه قالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ” .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت في الدوحة حين انتهى أمدُ الجواز . رُحت إلى السفارة ، وأنا بين الشك واليقين ، فقد كنتُ أعلم ُ أن الجواز لم يعُد حقاً مشروعاً في هذا العهد ، ولكنه صار منه تفضلاً ، يمنحونه ويمنعونه كما يحلو لهم . وكانت ترد إلى السفارة من الخرطوم قوائم بأسماء مواطنين حرامٌ عليهم التمتُع بالحق الذي فرضته لهم القوانين والأعراف ، وما يدريني أنني واحد منهم .
لكنني وجدتُ سفيراً غير هياب ولا وَجِل ، سودانياً كأحسن ما يكون السوداني ، ومن سماحة وشجاعة الأكفاء وترفع . كان من القلة التي بقيت من الدبلوماسيين بعد حملات التطهير والتشريد والإحالة على المعاش . وكان الناس يعجبون كيف أنهم لم ينتبهوا إليه ، فظل في منصبه ، يعامل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم السياسية دون تفرقة . دائماً تجده بينهم في مسرّاتهم وأحزانهم ، لا يبالي إن كان الشخصُ مرضياً عليه من النظام . ولم يكن يهاب أن يجدد الجوازات لمستحقيها دون أن يطلب الإذن من سلطات الخرطوم لأنه يعلم أنه لو سألهم فسوف يجيبون بلا .
من خيار الناس وخيار السفراء ، بشهادة أهل البلد التي عمل فيها ، وكل من عرفه أو تعامل معه . أعادوه إلى الخرطوم ضربة لازب ، ولم يلبث غير أشهر حتى أحالوه إلى التقاعُد . ذلك وهو في عزّ الشباب وعُلو النشاط وقصارى الجهد في خدمة الوطن .
إنما هو قد خدم السودان في صيرورته التي تظل ثابتة ، بعد أن تجيء العهود وتذهب . اسمه ” أحمد يوسف التّني ” ومن سخريات الأمور أن والده ” يوسف مصطفى التّني ” كان من كبار شعراء السودان ، ومن المناضلين الأوائل ، ومن الجيل الأول من السفراء الذين جعلوا السودان رصيداً بدده أصحابنا هؤلاء فعل من لا يخشى الفاقة ، وفوق ذلك هو صاحب النشيد الذي ألهب خيال أجيال من السودانيين يقول فيه :
نُدني بالائتلاف .. آمالنا البعيدة
لا نعرف الخلاف .. في الجنس والعقيدة
فالدين لله .. والمجدُ للوطن

منقول من المنتدى الثقافي .

تعقيبي على كلمة الطيب صالح :

     هذه قلادة تقلد جيد الشرفاء تذكرهم بالشرفاء ووشاح يدثر اعناق الرجال الذين يحملون الوطن على كاهلهم و اعناقهم ومغروس في ضميرهم اليقظ ..طبتم بحسن الاختيار وطاب هولاء جميعهم احياء واموات واينما كانوا وحيثما وجدوا .

    مضى النهار و مازلت تحت وهج كلمة الطيب صالح يغمرني اريحها واستظل بظلها عن الشرفاء من رجالنا الذين أثروا عمرنا وكنا نعول عليهم وبالطبع لن ينقطع حبل الرجاء فيمن تبقى منهم او من ولد او من سيولد  من امثالهم فالارض خصبة ولادة بالخير والنماء والمعروف الى ان تقوم الساعه لان من سيرثها ليس ببشر فالخالق مالك الملك وسيرث الارض ومن عليها
     .مجددا تلك الكلمة لوحة مأطرة بذهب الحق  و ممهورة بمداد لا يشوبه باطل ..تعلق على جدار التاريخ الذي يحمل ذاكرة فولاذية …. لتكن نبراسا يضئ طريق اجيال قادمة لتهتدى …. حياكم الله وسلمتم .

               إقبال صالح بانقا

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن