الاستثمار عندما تبيع الدجاجة لتشترى ريشها – بقلم: راشد عبدالقادر

المشروع الحضارى الاسلامى السودانى

واحدة من الاشكالات في تناول الشأن السودانى تكمن في طبيعة التعامل (الهستيرى) الذى يمارسه السودانيون في حالتى الفرح والغضب بما لا يدع مجالا للتعاطى العقلانى مع الامور التى هى مدار فرح أو غضب السودانيين
واوضح النماذج لحالة الغضب هو ما يحدث الان في شأن المسألة المصرية  (وقد اعود لاحقا لمناقشة هذا الامر) فلا يمكنك ابدا ان تناقش الموضوع بشكل عقلانى يعزل ما هو طارئ تحركه المخابرات والاعلام في البلدين وطبيعة التوترات اللحظية والاستفزازات المقصودة بمعزل عن القضايا الاستراتيجية الحقيقية وطبيعة المستقبل والمطلوب فعله حقا, دون ان تتهم بالعمالة للنظام المصرى او الدمغ بالعداء للسودان وليس فقط النظام الحاكم في السودان
أما المسألة مدار الفرح الهستيرى هى قضية الاستثمار في السودان والعلاقات مع دول الخليج والامال العريضة المعقودة عليها والاحلام المنسوجة بخصوصها بحيث اصبحت محاولة نقاش المسألة على ضوء الموضوعية تجر الاتهام بعداء الوطن والتخوين وكراهية الخير للسودان وشكل من اشكال الحقد وعدد ضخم من لافتات الاتهام التى سترفع في وجهك وهى طبيعة ثاوية في الشخصية السودانية من جهة وموضوع يسوق اتجاهه النظام بكافة امكاناته ليتم استثماره سياسيا بخلق حالة من القبول والرضا الوطنى عن النظام وادائه
ومبتدرا نحتاج للقول انه لا يوجد وطنى عاقل يحب ان يتم خراب وطنه او غلق سبل الاستثمار فيه بما يخدم الانسان العادى وينتج التنمية المستقبلية القادرة على تهيئة الحياة الكريمة للناس والخروج بهم من حالة الضيق الى الاستقرار ومن ثم الرفاهية وبذلك يصبح الرفض الاعتباطى هو حالة من حالات الاستعداء الوطنى فعلا ولكن هل تعتبر عمليات النقد والتبصير والتوضيح وطرح الرؤى بما يبين طبيعة الاستثمار الحادث او محاولة تعظيم المكاسب الوطنية هى حالة هدم ام حالة من الضبط والتوجيه والبناء؟؟ لا اشك ابدا ان النقد العاقل هو في طبيعته مسألة بنائية لأنك عندما تبصر بالخطأ في الطريق والحالة والادوات الموجودة فانت ضمنا تشير الى طرق وادوات واحوال مغايرة يمكن الاتجاه اليها بما يقلل الاهدار في الموارد والتضييع الزمنى والاسراع بالوصول الى الاهداف المنشودة والمقاصد المطلوبة وعليه فان أي اتهام عبثى بالتخوين والاستعداء  لمن يطرح قولا نقديا, لا قيمة ولا اعتبار له, ويعتبر قولا مرسلا لا يرد الى حالة عقلية سوية وانما الى مزاج عام لا يقبل النقاش الموضوعى وفق اجواء (الفرح العام).
ولذلك علينا ان نطرح الاسئلة الحقيقية هل العداء الدولى كان تجاه السودان الدولة والانسان ام كان تجاه النظام السياسى الحاكم
فالسودانيون في خضم الازمات مع حكومة الخرطوم كان لهم ذات المقبولية والترحيب في كافة البلدان خصوصا في الدول العربية الخليجية التى كان لها عداء مستحكم مع حكومة الخرطوم . فظلوا حضورا بأسرهم عاملين وموظفين وبجاليات كبيرة في كافة هذه الدول وكانوا ومازالوا محط الاحترام والترحيب والتقدير والتعامل المتميز من حكومات وشعوب هذه الدول. اذن لم تكن هنالك اى مشكلة مع الانسان (السودانى) وانما المشكله مع (النظام السودانى) واى تغير في طبيعة هذه العلاقة بداهة ليس مداره الانسان السودانى وانما الحكومة السودانية
والسؤال الاخر هل طرأ جديد في الامكانات السودانية بمعنى هل الاستثمار موضوع مقصود لذاته من الدول المتجهة للسودان ام هناك اشياء ينبغى الانتباه لها
فالارض السودانية من اخصب اراضى العالمين وهذا موضوع معروف للجميع من قديم جدا وليس فيه جديد تماما كالمياه والمراعى والثروة الحيوانية والمعادن امور يعرفها كافة المستثمرين ورغم ذلك كانوا لا يتجهون للسودان للخلاف السياسى مع مركز اتخاذ القرار من جهة ولصعوبة تحريك الاموال من والى السودان عبر الحصار المضروب من الولايات المتحدة الامريكية (رغم ان البترول خرج في ظل هذا الحصار) وهذه الصعوبة نفسها جزء من السبب الاول (الخلاف السياسى مع الخرطوم) اذن الواضح تماما ان الخرطوم ذهبت (هى) في اتجاه سياسى جديد لاعادة تشكيل موقف الاخر منها وكله عبر جهة واحده (الخليج العربى) وجملة الحراك بعد جولات ماكوكية لفتح مسار العلاقات مع الدولتين الاهم في الخليج (السعودية والامارات) وما اعقب ذلك من طرد الايرانيين من السودان والمشاركة في عاصفة الحزم (حرب اليمن) وفتح طريق تخفيف الضغط الامريكى بمساهمة فاعلة من الامارات والمملكة العربية السعودية وزيادة وتائر التفاعل الامنى مع ال  C I A  وليس اخرها زيارة الفريق محمد عطا مدير جهاز الامن السودانى الى الولايات المتحدة الامريكية ولا تأكيد الامير محمد بن سلمان (ولى ولى العهد) السعودى عن موافقة الرئيس الامريكى دونالد ترامب لرفع كافة العقوبات عن السودان بنهاية المهلة المحددة
وبذا يتضح الانتقال الكامل من خطاب الانقاذ من المواجهة (امريكا روسيا قد دنا عذابها) الى خطاب التطبيع والتعاون الكامل, وان ما يقوله اصحاب القرار في السودان من خطابات في الحشود ما هى الا للاستهلاك المحلى وفق خارطة معتمدة من الاخرين عنوانها (قولوا ما تشاءوا وافعلوا ما نشاء)
اذن هل يتضرر الانسان السودانى من هذا التغيير في خطاب الانقاذ كما كان متضررا من خطاب الانقاذ الاول ام الحال سيعود عليه خيرا وفيرا ونعمة وتنمية اقتصادية حقيقية؟؟ أم ان مجمل هذا الذى يحدث هو يخدم النظام بصورة أساسية ولا يعود على المواطن الا بالقشور ان لم تكن الخسارة على المدى البعيد؟
نقول ان العلاقات الناتجة من هذه التحولات ان كانت تفرز وضعا طبيعيا يقوم على موازين التعامل الطبيعى بين الدول مع المحافظة على السيادة الوطنية لكل طرف من الاطراف فانه سيكون امرا جيدا وينتج عملية استثمار حقيقية عمادها التعاون والتشارك وتعظيم المكاسب للاطراف المتعددة في العملية الاستثمارية, ولكن واضح تماما ان السودان يذهب الى هذه التحولات من باب (مكره اخاك لا بطل) وان الخيارات في وجه النظام الحاكم كانت قد اقفلت تماما وانهم في سبيل المحافظة على السلامة الشخصية سيذهبوا بالتضحية بكل شيئ (خطاب لافروف وزير الخارجية الروسى حول قضية المحكمة الجنائية وموافقة البشير لفصل الجنوب) ويتضح ذلك من خطوة قطع العلاقات مع ايران ابان خلافات ايران مع (السعودية) بحجة انهم يعملون على نشر التشيع في السودان (كأنه اكتشاف جديد)!!!!! علما ان الدول الخليجية نفسها لم تقطع العلاقات مع ايران
كذلك الذهاب مع السعودية لحرب اليمن بالرغم من رفض (مصر) والتى بذل لها الخليجيون عشرات المليارات منحا ومساعدات ورفض (باكستان) عبر برلمانها ان تشارك في الامر علما ان باكستان تعتبر الحليف الاستراتيجى للسعودية والتعاون بينهما عميق جدا .ومحاولة السودان التبرير للحرب عبر خطاب (الحرب ضد الروافض الشيعه) علما ان السعودية نفسها لم تستخدم هذا الخطاب وتقف في حدود (عودة الشرعية) وبذلك يتضح ان الحكومة السودانية تستخدم الافعال المتطرفة جدا في الاطار السياسى لتأكيد أنها (تحت الخدمة) وهذه الحالة تخلق منك (تابعا) وليس (ندا ولا كفوءا) وفى ذات السياق يمكن قراءة الزيارات المتكررة للخليج من أعلى الهرم السلطوى في السودان بشكل اصبح مستهجنا ولا يمت للاعراف الدبلوماسية بصلة.
وطالما انك تابع وتتزلف للاخرين ستكون خياراتك دائما هى خيارات المضطر  تماما كما قال الشاعر الكبير الفيتورى (ذهب المضطر نحاس) حينها ستدفع اعلى الاسعار لتنال ارخص الاشياء وتأخذ ازهد الاسعار لتمنح اغلى الاشياء
وقبل الدخول الى قضية الاستثمار نفسها علينا النظر الى الوضع العام فواضح ان المنطقة وبعد تفكيك القوة العراقية بدخول الولايات المتحدة الامريكية للعراق اصبحت موازين القوة فيها بالغة التعقيد وصعود للاسلام الشيعى من جهة وصعود للاسلام السلفى التكفيرى الجهادى من جهة اخرى والتياران يضغطان بقوة على منطقة الخليج من ثلاثة اتجاهات الشرق والشمال والجنوب يضاف اليها حالة من القلق الاقتصادى الكبير بعد تهاوى اسعار النفط عالميا وما يمثله من خطورة على منطقة اقتصادها يعتمد بصورة تامة على ابار النفط والغاز وهذا يدل على ان الخليج الان في اضعف احواله وليس في اقوى احواله, وانه (هو) من يفترض به البحث عن حلول لازمته وتقديم التنازلات لا العكس خصوصا في قضية الاستثمارات والموارد, ووفق اى مساومة اقتصادية في المنطقة وبما حباه الله من موارد يظل السودان هو الخيار الافضل والانسب لاى عملية استثمارية يدعم ذلك القرب المكانى الذى يقلل من فاتورة النقل والترحيل .. والخليج ظل يستثمر في البرازيل والارجنتين على بعد الاف الكيلومترات بما يرفع التكلفة الانتاجية فهل نحن اصلا في منافسه مع الاخرين لجلب الاستثمارات ؟؟؟  لا اظن ذلك فان كان الوضع طبيعيا ولا علاقة له (بمشكلة النظام الحاكم) فلاتوجد اى دولة في المنطقة لها نفس الاغراءات التى يقدمها السودان ارضا ومياها ومكانا ومواردا مختلفة حتى اسماكا وسياحة ومعادن بل حتى الايادى العاملة (كثير من السودانيين يعملون رعاة ومزارعين بالخليج) .. عليه فالسودان مفترض ان يكون هو في الوضع الاعلى وهو من تسعى اليه دول المنطقة للخروج من ازماتها الاقتصادية وازمات الغذاء لدى شعوبها (اللحوم والخضار المعالج كيميائيا) وهو من يأتى اليه الاخرون (يطلبون) الاستثمار فيه على اسس شروط عادلة تحقق المصالح لكافة الاطراف مع تعظيم الربح السودانى عبر تشغيل الايادى العامله وايجار الاراضى والرسوم المفروضة والزام المستثمرين بتنمية المجتمعات المحيطة
ومثال لذلك أن شركة الديار الخليجية تعتبر ثالث اكبر المستثمرين في قطاع العقارات في لندن ويتم الزامها وفق قانون الاستثمار بتنمية المجتمعات قرب مشروعاتها وذلك بناء المستشفيات والمدارس  وغيرها من الانشاءات الخدمية علما ان بريطانيا ليست دولة فقيرة ولكن هذا هو الاستثمار الحقيقي
ولذا تعجب جدا وانت ترى (هستيريا الفرح) في السودان بالاستثمار الخليجي رغم ان اغلبه في قطاع (الاعلاف) الذى يستهلك الارض والمياه الجوفية بشراهة ولا يتيح توظيف أيادي عاملة للتوسع في استخدام الالا ت كما انك ومن عجب تجد ان هذه الاستثمارات تقوم على مساحات شاسعه وبعضها (هبة) من الحكومة السودانية (هدية مجانية) على مساحات مئات الالوف من الافدنة .. نموذج منح البحرين هبه (420) أربعمائة وعشرون كيلومتر مربع لمدة تسعه وتسعون عاما 99 سنه والارض رمز السيادة ولها قيمة استثمارية إيجارية  في كل العالم الا ان الحكومة تفعل ذلك ((للاضطرار)) وكيف اذا علمت انها معفاة من الضرائب ومن الجمارك ومن اى رسوم اخرى فما هي الفائدة في ان يزرعوا في ار ضنا ويستهلكوا خصوبتها ويستنزفوا ماءنا ويأخذوا محاصيلهم الى جيوبهم ولا يعود علينا الامر الا بتوظيف مائة او مائتي شخص سواقين للآلات وبعض المهندسين؟؟؟
هل نستثمر نحن كدولة في الاجر والثواب من الله تعالى؟؟؟ ام الاستثمار في العائد من هذه المشاريع؟؟؟!! هذه الارض ارض الشعب ولا يفترض لاي جهة سياسية في الوطن ومهما كان المنصب القيادي في هرم الدولة ان يمنحها (هبة) لاى جهة مهما كانت
الاستثمار ان ادخل معك شريكا بالأرض على ان تمول انت المشاريع وتوظف ابناء شعبي وتنمى مناطقهم ولا تستثمر في أشياء تضر بالارض ومستقبلها وأأخذ منك جزءا من الارباح
والاستثمار لا يكون استثمارا الا عندما يكون عن قوة امكانات وموارد يدفع ثمنها من يحتاجها. ولا نبذلها مجانا وبأرخص الاسعار فقط لفك حصار ورفع سيوف مسلطة على رقاب القيادة السياسية.. لذا يجب ان نعى اننا نهدر موارد المستقبل ونبيع ذهبنا بسعر التراب وما يحدث الان ليس الا أن تأخذ ارضى مجانا وتبنى عليها عمارة ثم تبيع لى ظل هذه العمارة وأرقص أنا فرح بذلك.
*راشد عبدالقادر*

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن