الفردوس المفقود في رثاء الأندلس للشاعر السوداني: محمد أحمد المحجوب

نزلتُ شَطكِ، بعدَ البينِ ولهانا‎@ فذقتُ فيكِ من التبريحِ‎ ‎ألوانا‎
وسِرتُ فيكِ، غريباً ضلَّ سامرُهُ‎ @ داراً وشوْقاً وأحباباً وإخوانا‎
فلا اللسانُ لسانُ العُرْب نَعْرِفُهُ‎ @ ولا الزمانُ كما كنّا وما كانا‎
ولا الخمائلُ تُشْجينا بلابِلُها‎ @ ولا النخيلُ، سقاهُ الطَّلُّ، يلقانا‎
ولا المساجدُ يسعى في مآذِنِها‎ @ مع العشيّاتِ صوتُ اللهِ رَيّانا‎
‎****
كم فارسٍ فيكِ أوْفى المجدَ شرعتَهُ‎ @ وأوردَ الخيلَ ودياناً‎ ‎وشطآنا‎
وشاد للعُرْبِ أمجاداً مؤثّلةً‎ @ دانتْ لسطوتِهِ الدنيا وما دَانا‎
وهَلْهلَ الشعرَ، زفزافاً مقَاطِعُهُ‎ @ وفجّرَ الروضَ: أطيافاً وألحانا‎
يسعى إلى اللهِ في محرابِهِ وَرِعاً‎ @ وللجمالِ يَمدُّ الروحَ قُربانا‎
لمَ يَبقَ منكِ: سوى ذكرى تُؤرّقُنا‎ @ وغيرُ دارِ هوىً أصْغتْ لنجوانا‎

‎****
أكادُ أسمعُ فيها همسَ واجفةٍ‎ @ من الرقيبِ، تَمنّى طيبَ‎ ‎لُقيانا‎
اللهُ أكبرُ هذا الحسنُ أعرِفُهُ‎ @ ريّانَ يضحكُ أعطافاً وأجفانا‎
أثار فِيَّ شُجوناً، كنتُ أكتمُها‎ @ عَفّاً وأذكرُ وادي النيل هَيْمانا‎
فللعيونِ جمالٌ سِحرُهُ قدَرٌ‎ @ وللقدودِ إباءٌ يفضحُ البانا‎
فتلك دَعْدٌ، سوادُ الشَعْرِ كلَّلها‎ @ أختي: لقيتُكِ بَعْدَ الهجرِ أزْمانا‎
أختي لقيتُكِ، لكنْ أيْنَ سامُرنا‎ @ في السالفاتِ ؟ فهذا البعدُ‎ ‎أشقانا‎
أختي لقيتُ: ولكنْ ليس تَعْرِفُني‎ @ فقد تباعدَ، بعد القُربِ حيَّانا‎
طُفنا بقرطبةَ الفيحاءَ نَسْألها‎ @ عن الجدودِ.. وعن آثارِ مَرْوانا‎
عن‎ ‎المساجد، قد طالت منائرُها‎ @ تُعانق السُحبَ تسبيحاً وعرفانا‎
وعن ملاعبَ‎ ‎كانتْ للهوى قُدُساً‎ @ وعن مسارحِ حُسنٍ كُنَّ بسْتانا‎
وعن حبيبٍ، يزِينُ‎ ‎التاجَ مِفْرقُهُ‎ @ والعِقدُ جال على النّهدين ظمآنا‎
أبو الوليد تَغَنّى في‎ ‎مرابِعِها‎ @ وأجَّجَ الشَوقَ: نيراناً وأشْجانا‎
لم يُنْسِه السجنُ أعطافاً‎ ‎مُرنَّحةً‎ @ ولا حبيباً بخمرِ الدَّلِّ نَشْوانا‎
فما تَغرّبَ، إلاّ عن‎ ‎ديارهمُ‎ @ والقلبُ ظلَّ بذاك الحبِّ ولهانا‎
فكم تَذكّرَ أيّامَ الهوى شَرِقاً‎ @ وكم تَذكّرَ: أعطافاً وأردانا‎
‎ قد هاجَ منه هوى ولادةٍ‎ ‎شَجَناً‎ @ بَرْحاً وشوْقاً، وتغريداً وتَحْنانا‎
فأسْمَعَ الكونَ شِعْراً‎ ‎بالهوى عَطِراً‎ @ ولقّنَ الطيرَ شكواه فأشجانا‎
وعاشَ للحُسنِ يرعى الحسنَ في‎ ‎وَلَهٍ‎ @ وعاش للمجدِ يبني المجدَ ألوانا‎
تلكَ السماواتُ كُنّاها نُجمّلُها‎ @ بالحُبِّ حيناً وبالعلياء أحيانا‎
فرْدَوسُ مجدٍ أضاعَ الخَلْفُ رَوْعَتَهُ‎ @ من بعدِ ما كانَ للإسلامِ عنوانا‎
‎****
أبا الوليدِ أعِنِّي ضاعَ‎ ‎تالدُنا‎ @ وقد تَناوحَ أحجاراً وجُدرانا‎
هذي فلسطينُ كادتْ، والوغى دولٌ‎ @ تكونُ أندلساً أخرى وأحزانا‎
كنّا سُراةً تُخيف الكونَ وحدتُنا‎ @ واليومَ‎ ‎صرْنا لأهلِ الشركِ عُبدانا‎
نغدو على الذلِّ، أحزاباً مُفرَّقةً‎ @ ونحن كنّا‎ ‎لحزب اللهِ فرسانا‎
رماحُنا في جبين الشمسِ مُشرَعةٌ‎ @ والأرضُ كانت لخيلِ‎ ‎العُرب ميدانا‎
أبا الوليدِ، عَقَدْنا العزمَ أنّ لنا‎ @ في‎ ‎غَمرةِ الثأرِ ميعاداً وبرهانا‎
الجرحُ وحّدَنا، والثأرُ جَمّعنا‎ @ للنصر فيه‎ ‎إراداتٍ ووجدانا‎
لهفي على «القدسِ» في البأساء داميةً‎ @ نفديكِ يا قدسُ‎ ‎أرواحاً وأبدانا‎
سنجعل الأرضَ بركاناً نُفجّرهُ‎ @ في وجه باغٍ يراه اللهُ‎ ‎شيطانا‎
ويُنتسى العارُ في رأد الضحى فَنَرى‎ @ أنَّ العروبةَ تبني مجدَها‎ ‎الآنا

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن