الذكرى 32 لانتفاضة ابريل – البعث ذاكرة الانتفاضة

اليوم السادس من أبريل الذكري 32 لانتفاضة أبريل 1985م

*احداث اليوم الحادي عشر*

*الجمعـة 5 أبـريـل 1985*
خرجت صحف النظام وهي تحمل العناوين التالية:
•أعضاء الأمانة العامة للإتحاد الاشتراكي يؤكدون إن فلول الأحزاب والمعادين للشعب والثورة يريدون جر السودان لصراعات طائفية..
•الأمانة العامة تعلن إن التحرك التخريبي في السودان مدعوم بالمال من جهات أجنبية لزعزعة سلامة الوطن..
•نتائج الفحوصات الطبية للرئيس إيجابية ومطمئنة للغاية..
•النائب الأول يهنئ الرئيس القائد بالنتائج الايجابية لفحوص الطبية.
ومن ناحية أخرى ذكرت وسائل إعلام النظام:
إن الرئيس نميري وصف ما يجري في السودان، بأنه مغامرة صامتة يخطط لها العقائديون، وتدعمها وتقف من ورائها ليبيا..
وأكد سيادته بأنه مطمئن إلى مقدرة المسئولين بالسودان، ومؤسسات الثورة، وأجهزتها للتصدي للموقف بما يستدعي من قدرة وحنكة..”
وفي هذا اليوم أصدرت الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي بيانا أوضحت فيه إن:
فلول الأخوان وعملاء البعث والحقد الشيوعي هم الذين يتاجرون بالجماهير ومصالحها.. كما يطبعون ويوزعون المنشورات باسم هئيات ونقابات تحرض على الإضراب والتوقف عن العمل دون علم هذه الهئيات والنقابات، وهذه المجموعات أشبه بتلك التي تم ضبطها في جامعة الخرطوم قبل أيام”.
وفي مساء الجمعة أذيع في الإذاعة بيانا قالوا عنه أنه صادر من قضاة العاصمة القومية، حيث ورد فيه:
“ولقد اطلعنا أمس على منشور يحمل توقيع ما يسمى بقضاة السودان، يعلن عن توقف قضاة السودان عن العمل والدخول في اضراب سياسي عام، وأجتمعنا نحن كقضاة وقضاة استئناف ومديرية وجزئية ورؤساء مجالس قضاة، وبعض العمال القضائيين بالعاصمة القومية، وتدارسنا ذلك البيان، وفي هذا الصدد نضع الحقائق التالية أمام شعبنا الطيب:
إن ذلك المنشور عمل مدسوس على القضاة والقضاء، قام به نفر معروفون  ذوو إتجاهات سياسية معلومة لدينا..
•لقد توصلنا وبيقين تام للجهة التي قامت بطباعة وتحضير وتمويل ونشر ذلك البيان..
•إننا وإزاء تلك الحقائق ندين ونستنكر ذلك البيان..الخ
لقد إعتقد النظام العميل وأعوانه المأجورين إنهم بمثل ذلك  البيان يستطيعون شق القضاة، والتشكيك في كل البيانات التي تصدرها الحركة النقابية والجماهيرية..
غير أن جماهير شعبنا لم يتطرق إليها الشك مطلقا في موقف القضاة الصامد والمنحاز تماما للجماهير، فهم في الشوارع مع الجماهير، وفي الأحياء يحرضون على الثورة، والاضراب السياسي حتى النصر مدفوعين بقوة الجماهير التي تدرك تماما أن البيان الذي يذاع عبر أجهزة السفاح نميري هو البيان المدسوس على القضاة، وليس البيان الذي يوزع جماهيريا في الشوارع.
ومن ناحية أخرى ركزت الإذاعات العالمية على أن جميع خطوط الإتصال مع السودان مقطوعة، وعلى أن إذاعة أم درمان قد توقفت عن بث برامجها، وإن هنالك طائرة مصرية حاولت أن تهبط في مطار الخرطوم ولم يسمح لها وأن كل الأخبار عن السودان تنحصر فيما تنشره “سونا” وهي كالة أنباء السودان.
كما أن تلك الإذاعات قد أشارت إلى أن أمريكا قد نصحت نميري بالعودة للسودان نتيجة لتدهور الأوضاع هناك..
لقد إستمرت التظاهرات في العاصمة، حيث كانت تخرج من كل الأحياء.
——————-
الانتفاضة في الأقالـيم:
لقد أشار السفاح نميري في جريدة الأيام بتاريخ 4 أبريل 1985 إلى أنه ليس هناك تحرك معادي للنظام في أي إقليم من أقاليم السودان..
أما جريدة الصحافة فقد أشارت إلى أن اللواء بابكر عبد الرحيم أمين عام الاتحاد الاشتراكي قد تلقى برقية من نائب حاكم الإقليم الشمالي تؤكد وقوف مدينة عطبرة ضد “التخريب والعمالة “، كما تلقى السفاح نميري برقية من أمين وحاكم الإقليم الأوسط يؤكد فيها “إن جماهير الإقليم الأوسط تستنكر بشدة محاولات العملاء والخونة والمأجورين من فلول وأذناب العقائديين..”
هذا ما ورد في صحف النظام.. غير أن الحقيقة قد كانت غير ذلك تماما…،
مدينة عطبرة:
خرج عمال عطبرة في يوم 7/3 /1985 في موكب هائل يرفض زيادة الأسعار، ويطالب النقابات بإتخاذ موقف حاسم منها، وفي يوم 10 / 3 / 1985 خرج موكب موظفي السكة حديد من أجل أن تتخذ نقابتهم موقفا من تلك الزيادات في الأسعار.
وطوال الفترة من 10 – 25 مارس تواصلت التظاهرات في مدينة عطبرة، وفي يوم 26 مارس 1985 خرجت جماهير مدينة عطبرة بكافة قطاعاتها فجابت المدينة وتجمعت في ميدان المولد، ثم توجهت إلى دار نقابة عمال السكة الحديد وإستمرت التظاهرات في المدينة، وفي يوم 4/4 تم إعلان الإضراب السياسي العام..
هذا وقد اعتقلت السلطات عددا من المواطنين بتهمة الانتماء لحزب البعث.
إن جماهير عطبرة الباسلة قد إكتوت بنار الغلاء وإرتفاع الأسعار والتسلط والدكتاتورية والإرهاب، مثلها مثل جماهير الشعب السوداني، إضافة لذلك فقد ظلت حكومة الإقليم أيضا من جانبها تفرض زيادات على السلع، ولذلك فإن عطبرة وبحسها الثوري المتعاظم بدأت الانتفاضة فيها منذ السابع من مارس في التعبير عن رغبتها الأكيدة في خوض المعركة النهائية والحاسمة ضد نظام السفاح نميري.
إضافة لذلك فقد أصدر تجمع النقابات بمدينتي عطبرة والدامر بيانا في يوم 2 أبريل وهذا نص البيان:
بسم الله الرحمن الرحيم
عطبرة في 2/4/1985
بيان رقم (1)
يا جماهير عطبرة الباسلة:
بشرى لكم باليوم العظيم الذي كنتم في إنتظاره، وهنيئا لكم بتاريخ أمجاد البلاد وبصحوتها الغيورة والطامحة في الحياة الحرة الكريمة..
ومرحبا باسمكم برياح أكتوبر لنشعل قناديل التقدم والحرية، وقد آن الأوان لتلقين السلطة الدكتاتورية وعصابتها المأجورة درسا يخلد عزة الشعب السوداني ويتوج شرفه هامات هذا الوطن العظيم..
إن تجمع النقابات الذي تشكل من أبنائه الغيورين على الوطن ليشكل العمق الجماهيري لتجمع الشعب السوداني من أجل إقامة البديل الوطني التقدمي الرافض لمخططات الإمبريالية والمتمسك بوحدة البلاد شمالا وجنوبا.. إننا إذ نعلن إلى كل الجماهير المكتوية بنيران مايو الأسود إننا بعون الله قد قررنا أن نلحق مدننا الباسلة بركب الحركة الوطنية في الخرطوم، حتى تأخذ حجمها الحقيقي المعبر عن الإرادة الوطنية، لسحق نظام الدجل والنفاق، ولن يفلت الطاغوت الذي هرب بأسرته، وبقوت الجماهير للتسكع على أرصفة أسياده بينما تقف أجهزته القمعية والكرتونية أمام المد الجماهيري الواسع الرافض لسياسات الفقر والجوع والمتمسك بالإضراب السياسي حتى يسقط النظام الفاشي..
إننا إذ نناشد كافة النقابات التي عبرت عن إستعدادها للدخول في هذا التجمع لتلعب دورها الوطني في مسيرة الإنقاذ وأن تسعى لترتيب صفوفها من أجل اللحاق بركب الثورة، على أننا سنواصل إتصالنا بجميع أطراف الحركة النقابية من أجل توسيع قيادتها، وفي الوقت نفسه ننبه إخواننا في نقابة عمال السكة حديد لخطورة الدور الخبيث والجبان الذي يمارسه إبراهيم عبيد الله وإبراهيم طمبل وعبد الوهاب عبد الغني وكيل النقابة بالخرطوم عبر إتصالاتهم المتكررة برموز النظام المنهار، بغض النظر عن الدور البطولي والشجاع الذي يقوم به عمال السكة حديد وإرثها الفاعل على الشارع السياسي، وإننا نحذر في الوقت نفسه كل من تسول له نفسه العبث بإرادة الجماهير وإن بزوغ شمس الحرية لهو الآن أقرب من حبل الوريد، وإن يوم الحساب للمنتفعين والذين يساهمون في أزلال الجماهير آت لا ريب فيه..
عاش التجمع النقابي قائدا لمسيرة الحركة الجماهيرية..
عاش تجمع الشعب السوداني قائدا للحركة الوطنية..
والمجد والخلود لشهداء الانتفاضة الأبرار..
فليسقط نظام الفقر والجوع..
ولتستمر ثورة الشعب العظيم..
والاضراب حتى النصر..
تجمـع النقابات / عطـبرة ـ الدامـر
وفي يوم 4 /4/1985 توسع التجمع النقابي وعقد اجتماعا مهما أعلن فيه العصيان المدني والاضراب السياسي لمدة 3 أيام، تنتهي يوم الأحد حيث يتم الاجتماع مرة أخرى لاتخاذ الخطوات اللاحقة..
وصدر البيان التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:
(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا). صدق الله العظيم
إلى جماهير الشعب السوداني: باسم تجمع النقابات المنعقد اليوم بدار نقابة عمال السكة حديد الرابع من أبريل نحييكم تحية النضال المشترك..
لابد وإنكم عايشتم وتعايشون التردي المريع في أجهزة السلطة، الأمر الذي جعل المواطن السوداني يلهث في كسب لقمة العيش، وفاق الأمر حيث بدأت أجهزة السلطة إستعمال أساليب التضليل من جهة، والإرهاب والكبت والتعذيب من جهة أخرى، حتى بلغ السيل الذبى، وما انتفاضة قطاعات الشعب الكاملة متمثلة في المواكب الهادرة وتجمع النقابات، ما هي إلا نتيجة حتمية وكان لابد منها ونحن نمر بهذه اللحظات التاريخية الحاسمة بعد أن ضرب المواطن السوداني الرقم القياسي في الصبر وتحمل الضيم، ولكن إرادة الشعب فوق كل إرادة بعد أن فشلت كل السياسات الاقتصادية في رفع المعاناة عن كاهل الجماهير والعاملين، الأمر الذي جعل السودان يتمسح بأحذية البنك الدولي والقوى الخارجية الأخرى الطامعة في إستغلاله وإستغلال موارده..
كذلك التصاعد الجنوني للأسعار وما صاحبه من تخفيض مستمر في قيمة الصرف للجنيه السوداني، مما جعل المواطن يتحمل العيش دون الكفاف ويصبح السودان ألعوبة في أيدي الرأسمالية والإمبريالية العالمية..
بناء على انتفاضة جماهير الشعب وجموعهم الهادرة ونزولا لرغبته، اتخذنا القرارات الآتية:
1/ الإلتزام بقرارات تجمع النقابات.
2/ إعلان الاضراب السياسي العام لمدة ثلاثة أيام إبتداء من اليوم الخميس الرابع من ابريل 1985 الموافق 13 رجب 1405 وحتى يوم الأحد 16 رجب 1405
3/ يهيب تجمع النقابات بكافة قطاعاته أن يدعو كل العاملين للتجمع يوم الأحد 16 رجب 1405 الساعة العاشرة صباحا بميدان المولد وذلك تقييما للموقف.
ختاما نشيد بكفاح وبطولة الشعب السوداني البطل، ولا نامت أعين الجبناء..
عاشت وحدة جماهير الشعب السوداني من أجل حياة حرة كريمة..
والنصر لنا..
تجمع النقابات
عطـبرة في 4/4/1985
نقابة عمال السكة حديد ـ الهيئة النقابية لأطباء النيل ـ نقابة موظفي السكة حديد ـ تجمع مهندسي السكة حديد ـ الهيئة النقابية لعمال الكهرباء والمياه ـ فرعية المؤسسة العامة للبترول ـ عمال وعاملات المهن الصحية ـ مهندسي المواصلات السلكية واللاسلكية ـ سائقي عربات التاكسي ـ عمال وعاملات الثروة الحيوانية ـ موظفي وعمال مؤسسة ماسبيو ـ عمال النقل الميكانيكي ـ المهن الطبية فرع المصارف والبنوك ـ كلية الهندسة الميكانيكية ـ بكاسي الدامر عطبرة وريفي الدامر ـ بصات المدينة ـ بكاسي جنوب ريفي بربر ـ المحامين ـ المعلمين ـ أصحاب المطاعم ـ عمال المخابزـ البريد والبرق ـ الحكم الشعبي المحلي ـ النجارين..
وفي يوم 4/4/1985 صدر في مدينة عطبرة بيان من منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي بالمدينة، جاء فيه:
أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة
يا جماهـير عطـبرة الأبطـال..
إن حزبكم الذي عودكم دائما كشف مخططات النظام الدكتاتوري والذي عمل جاهدا طوال الفترة السابقة لتعرية النظام ومؤسساته، إنه لهو نفس الحزب العظيم الذي يزف إليكم بشرى مسيرة الانتفاضة الكبرى، والتي كنتم موقدوها الأوائل وهي تتقدم مسيرة النضال الوطني من أجل إقامة البديل الوطني الديمقراطي التقدمي ومن أجل عزة شعب السودان في كفاحه المرير للحياة الحرة الكريمة، وباسم الملايين من المعدمين والجياع والمشردين، والمهضومة حقوقهم من أبناء هذا الشعب العظيم، يعلنها حزبكم القائد، ثورة حتى النصر.. فلتتقد ثورة الجياع لتلقين طاغوت مايو الأسود وعصابته المأجورة درسا يخلد عظمة هذا الشعب الأبي، وليسجل تاريخ شموخه بعزة وإرادة صلبة.
حزب البعث العربي الاشتراكي ـ منظمة عطـبرة 4 أبـريـل 1985
مدينـة واد مـدني:
سيرت مجموعة من النقابات “يبلغ عددها12 نقابة” بود مدني في يوم السبت 31 مارس 1985 موكبا لتسليم مذكرة لحاكم الإقليم الأوسط، ومعنونة إلى النائب الأول لرئيس الجمهورية، وقد إشتملت المذكرة على تحديد أسباب التردي السياسي والاقتصادي في البلاد، وأشارت إلى أن هذا النظام قد وصل لطريق مسدود، وإن التغيير قد أضحى حتميا، وإن على النظام أن يستجيب سلميا لهذا التغيير، وإلا فإن الشعب لا محالة محقق إرادته مهما غلا الثمن..
وجاء في المذكرة:
نحن نطالبكم باتخاذ الإجراءات التالية حتى يمكن تجنيب الوطن ويلات المحنة والدمار:
أولا: تعطيل العمل بدستور 1973 المقيد للحريات.
ثانيا: تكوين قيادة إنتقالية ممثلة لجميع الفئات الوطنية والشريفة لتسيير أمر البلاد وحتى قيام مؤسسات ديمقراطية منتخبة من قبل الشعب.
وحددت المذكرة مهام السلطة الإنتقالية في حل جهاز أمن الدولة، والاتحاد الاشتراكي ومجالس الشعب، وإطلاق الحريات العامة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وحل مشكلة الجنوب سلميا، ومحاسبة كل مرتكبي الجرائم في حق هذا الشعب ورد المظالم.
وعلى أثر ذلك الموكب اعتقلت سلطات الأمن بمدينة واد مدني عددا من الأطباء، غير أن تلك النقابات واصلت إتصالاتها مع بقية النقابات لتدخل الاضراب السياسي العام.
وفي يوم الخميس 4 أبريل كان السوق في المدينة مغلقا تماما، ودخلت معظم المصالح والمؤسسات الحكومية في الاضراب السياسي العام، وسيرت النقابات، وجماهير المدينة مظاهرة هادرة تهتف بسقوط النظام، بدأت من مبنى القضائية وتوجهت نحو السكة الحديد، فتصدت لها قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع..
وفيما يلي المذكرة التي رفعتها النقابات بمدني إلى السلطة يوم 31/3/1985
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية:
نخاطبكم اليوم في ظروف خطيرة ووضع مترد وأحوال متدهورة حيث ضربت المجاعة البلاد وشمل الجوع المقتدر والمعدم تجميعا لحصاد ستة عشر عاما من حكم الفرد والتسلط.
إن التردي السياسي إنما جاء وليدا شرعيا لسياسة كبت الحريات التي بدأت تأخذ طريقها نحو الجامعات، ومن القوانين المقيدة للحريات، وغياب الديمقراطية، وتمكين حكم الفرد، والتخبط في كل القرارات السياسية، وغياب حكم القانون، وعدم استقلالية القضاء، وتحكم أجهزة الأمن وهيمنتها، ونهج السلطة الاعلامي في تضليل الشعب وصرفه عن المطالبة بحقوقه الأساسية ومحاولة شغله بقضايا جانبية كسياسة تقديم كبش الفداء لكل مأذق تدخل فيه السلطة، ثم وصل الأمر بالسلطة لحل النقابات الوطنية وإعلان حالات الطوارئ، وإنتهاك كل الحيل التي استنفذت أغراضها ولم تعد تجدي فتيلا، وهذا قليل من كم هائل من أسباب التردي السياسي والإنهيار في بنية المجتمع ثم كانت الحرب في جنوب الوطن ساحة تسيل فيها دماء أبناء الشعب وتبدد فيها موارد بلا مصلحة أو عائد سوى مزيدا من التمزق والشتات..
على الجانب الاقتصادي، الذي جاء تدهوره نتيجة حتمية للتسلط والفساد فتدنت قيمة الجنيه السوداني، وإنعدمت ضروريات الحياة من خبز ودواء ومواد بترولية إضافة لعبء أنهك كاهل المواطن السوداني المسحوق..
كل هذا دفع البلاد لترتمي في أحضان الإستعمار الحديث ممثلا في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وكل المؤسسات الإستثمارية التي فرضت سياساتها على البلاد.
جاءت الزيادات الأخيرة في كل السلع والمواد الضرورية تنفيذا حرفيا لتلك الشروط الإستعمارية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط بينما تنعم أجهزة السلطة بكل وسائل الرفاهية.
لم تقف السلطة في حدود التردي السياسي والإنهيار الاقتصادي فقط، بل تعدته إلى تدني أخلاقيات الممارسة السياسية بدخول السودان في حالة الصراع الدولي بجمعه اليهود الفلاشا (لإسرائيل)، وإهدار الكرامة الوطنية بجعل أراضي الوطن الطيبة مسرحا للقواعد الأمريكية ودفن النفايات الذرية..
السيد النائب الأول:
خلاصا لما ذكر، فإن هذا النظام قد وصل طريقا مسدودا والتغيير قد أضحى حتميا، والعقل والمنطق يفرضان على من في مكانكم العمل على أن يتم هذا التغيير دونما إثارة للفوضى وإراقة للدماء، فكفى هذا بالشعب معاناة وكفاه ذلا..
إن واجبكم يحتم عليكم أن تقوموا بطريقة سليمة ومنظمة بأحداث هذا التغيير، وألا فإن الشعب لا محالة محقق إرادته مهما غلي الثمن..
وعليه فنحن نطالبكم بالإجراءات الآتية حتى يمكن تجنب الوطن ويلات المحنة والدمار:
أولا: تعطيل العمل بدستور 1973 المقيد للحريات والذي قنن الدكتاتورية الفردية ودولة القمع..
ثانيا: تكوين قيادة إنتقالية ممثلة لجميع الفئات الوطنية والشريفة لتسيير أمر البلاد وحتى قيام مؤسسات ديمقراطية ومنتخبة من قبل الشعب..
تقوم السلطة الإنتقالية بتنفيذ المهام التالية:
1/ حل جميع الأنظمة القمعية من جهاز أمن الدولة وتوابعه والتنظيمات المزيفة لإرادة الأمة مثل الاتحاد الاشتراكي ومجالس الشعب وغيرها.
2/ إطلاق الحريات العامة من حرية الفكر والتنظيم والتعبير.
3/ إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.
4/ وقف نزيف الدم في الجنوب بالدعوة لحوار صادق وأمين ورفض الحل العسكري والمزايدات الرخيصة باسم الحوار.
5/ مراجعة السياسات الاقتصادية المدمرة والتي جرت على شعبنا ويلات الغلاء والجوع، وفك الاقتصاد الوطني من الإرتباطات المشبوهة بالإستعمار ومؤسساته الاقتصادية مثل البنك الدولي ومؤسسة النقد العالمية.
6/ اتخاذ خطوات عاجلة لمحاربة الغلاء وتخفيف وطأته على جماهير الشعب، وإعلان الحقائق المجردة عن مدى كارثة المجاعة بالوطن وجعلها القضية الأولى أمام قيادات الشعب.
7/ محاسبة كل مرتكبي الجرائم في حق هذا الشعب ورد المظالم.
السيد النائب الأول:
من منطلقات الوطنية والمسؤولية التاريخية نرفع هذه المذكرة واثقين إن خلاص الوطن هو في إتخاذ هذه الخطوات، وبسرعة وحسم لتفادي الأخطار المحدقة بالوطن والأمة، وإلا فإن الشعب الذي صبر وكابد على مدى ستة عشر عاما عجافا قد وصل ليل صبره إلى منتهاه، وحتما سيأخذ الأمور بيده وينتصر لإرادته، ويستشرف فجر حريته وكرامته.
* عاش الشعب السوداني كريما وحرا مستقلا.
* وليسقط حكم الفرد والدكتاتورية.
والسـلام.
نقابة أساتذة جامعة الجزيرة
اتحاد طلاب جامعة الجزيرة
النقابة الفرعية لأطباء الجزيرة
نقابة المحامين
هيئة البحوث الزراعية
نقابة المهندسين
نقابة الموظفين وفني معامل جامعة الجزيرة
نقابة موظفي النسيج
تجمع المعلمين
نقابة عمال جامعة الجزيرة
تجمع الصيادلة
نقابة عمال النسيج
9 رجـب 1405
31/3/1985
مدينة كسـلا:
أعلن الأطباء الاضراب في مدينة كسلا يوم الخميس 4 أبريل 1985 حيث سلموا مذكرة لحاكم الإقليم الشرقي، وكان أن اجتمعت نقابات الأطباء والمحاميين والقضاة والصيارفة والبياطرة والزراعيين والمهندسين، في ميز الأطباء وقرروا تكوين تجمع القوى الوطنية وإعلان الاضراب السياسي، ودخلت بعض هذه الفئات في الإضراب يوم السبت قبل إذاعة بيان إنحياز القوات المسلحة للجماهير، وقد سيرت كل هذه القوى موكبا ضخما يطالب بقيام حكومة مدنية ديمقراطية، وحل جهاز أمن الدولة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
مدينـة كـوسـتي:
في الفترة ما بين 26 مارس على 6 ابريل، شهدت مدينة كوستي جملة من الفعاليات السياسية التي بدأت يوم 26 مارس نفسه بكتابة شعارات على الحائط موقعة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، تدعو الجماهير للإضراب السياسي والعصيان المدني.
وفي 30 مارس ابتدأت التظاهرات في المدينة تهتف بسقوط نظام القهر والجوع..
وتكون تجمع النقابات من 14 نقابة على رأسهم الأطباء والمحاميين والقضاة، وقد قامت أجهزة أمن السفاح باعتقال المواطنين الآتية أسماءهم:
1/ أحمد يحي أبو القاسم – طالب
2/ حيدر أحمد مكي – مهندس مدني
/ بشير آدم البشير – مساعد صيدلي
4/ عيسى البشير رابح – طالب بالصف الأول ثانوي
مدينـة بور تسودان:
بدأ الاضراب السياسي في بورت سودان يوم الثلاثاء 2 أبريل 1985 بمبادرة من نقابة الأطباء بالبحر الأحمر، بإعلانهم الاضراب المفتوح الذي وجد إستجابة سريعة باضراب المحاميين في يوم 3 أبريل، ثم اضراب المهندسين بكافة أقسامهم، وبلغ الاضراب ذروته يوم الخميس 4 أبريل وتحول إلى شكل كامل في يوم السبت 6 أبريل.
لقد تحول ميز الأطباء في بورت سودان منذ الثلاثاء 2 أبريل إلى مركز تجمع شعبي، ووزع الأطباء منشورا يدعون فيه للعصيان المدني، مما أدى لاعتقال أكثر من 30 طبيبا.
وفي صباح السبت وقبل بيان إنحياز قوات الشعب المسلحة للشعب، خرجت المدينة في تظاهرة هادرة، وتم تسليم مذكرة لحاكم الإقليم تؤكد على الاضراب حتى إسقاط النظام.
وعند سماع بيان إنحياز القوات المسلحة للشعب، تقرر الإستمرار في العصيان المدني حتى يتم حل جهاز أمن الدولة، واعتقال سدنة النظام المايوي، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتسليم السلطة للشعب.
ولم يرفع الاضراب في بور تسودان إلا بعد يوم الثلاثاء 9 أبريل 1985.
يتبع  ((
إلى اللقاء في الحلقة القادمة مع أحداث يوم الحسم يوم السبت العظيم السادس من أبريل 1985#الهدف
#الذكرى_32_لانتفاضة_ابريل
#البعث_ذاكرة_الانتفاضة

*يوميات انتفاضة مارس ابريل*

*احداث اليوم الحادي عشر*

*الجمعـة 5 أبـريـل 1985*
خرجت صحف النظام وهي تحمل العناوين التالية:
•أعضاء الأمانة العامة للإتحاد الاشتراكي يؤكدون إن فلول الأحزاب والمعادين للشعب والثورة يريدون جر السودان لصراعات طائفية..
•الأمانة العامة تعلن إن التحرك التخريبي في السودان مدعوم بالمال من جهات أجنبية لزعزعة سلامة الوطن..
•نتائج الفحوصات الطبية للرئيس إيجابية ومطمئنة للغاية..
•النائب الأول يهنئ الرئيس القائد بالنتائج الايجابية لفحوص الطبية.
ومن ناحية أخرى ذكرت وسائل إعلام النظام:
إن الرئيس نميري وصف ما يجري في السودان، بأنه مغامرة صامتة يخطط لها العقائديون، وتدعمها وتقف من ورائها ليبيا..
وأكد سيادته بأنه مطمئن إلى مقدرة المسئولين بالسودان، ومؤسسات الثورة، وأجهزتها للتصدي للموقف بما يستدعي من قدرة وحنكة..”
وفي هذا اليوم أصدرت الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي بيانا أوضحت فيه إن:
فلول الأخوان وعملاء البعث والحقد الشيوعي هم الذين يتاجرون بالجماهير ومصالحها.. كما يطبعون ويوزعون المنشورات باسم هئيات ونقابات تحرض على الإضراب والتوقف عن العمل دون علم هذه الهئيات والنقابات، وهذه المجموعات أشبه بتلك التي تم ضبطها في جامعة الخرطوم قبل أيام”.
وفي مساء الجمعة أذيع في الإذاعة بيانا قالوا عنه أنه صادر من قضاة العاصمة القومية، حيث ورد فيه:
“ولقد اطلعنا أمس على منشور يحمل توقيع ما يسمى بقضاة السودان، يعلن عن توقف قضاة السودان عن العمل والدخول في اضراب سياسي عام، وأجتمعنا نحن كقضاة وقضاة استئناف ومديرية وجزئية ورؤساء مجالس قضاة، وبعض العمال القضائيين بالعاصمة القومية، وتدارسنا ذلك البيان، وفي هذا الصدد نضع الحقائق التالية أمام شعبنا الطيب:
إن ذلك المنشور عمل مدسوس على القضاة والقضاء، قام به نفر معروفون  ذوو إتجاهات سياسية معلومة لدينا..
•لقد توصلنا وبيقين تام للجهة التي قامت بطباعة وتحضير وتمويل ونشر ذلك البيان..
•إننا وإزاء تلك الحقائق ندين ونستنكر ذلك البيان..الخ
لقد إعتقد النظام العميل وأعوانه المأجورين إنهم بمثل ذلك  البيان يستطيعون شق القضاة، والتشكيك في كل البيانات التي تصدرها الحركة النقابية والجماهيرية..
غير أن جماهير شعبنا لم يتطرق إليها الشك مطلقا في موقف القضاة الصامد والمنحاز تماما للجماهير، فهم في الشوارع مع الجماهير، وفي الأحياء يحرضون على الثورة، والاضراب السياسي حتى النصر مدفوعين بقوة الجماهير التي تدرك تماما أن البيان الذي يذاع عبر أجهزة السفاح نميري هو البيان المدسوس على القضاة، وليس البيان الذي يوزع جماهيريا في الشوارع.
ومن ناحية أخرى ركزت الإذاعات العالمية على أن جميع خطوط الإتصال مع السودان مقطوعة، وعلى أن إذاعة أم درمان قد توقفت عن بث برامجها، وإن هنالك طائرة مصرية حاولت أن تهبط في مطار الخرطوم ولم يسمح لها وأن كل الأخبار عن السودان تنحصر فيما تنشره “سونا” وهي كالة أنباء السودان.
كما أن تلك الإذاعات قد أشارت إلى أن أمريكا قد نصحت نميري بالعودة للسودان نتيجة لتدهور الأوضاع هناك..
لقد إستمرت التظاهرات في العاصمة، حيث كانت تخرج من كل الأحياء.
——————-
الانتفاضة في الأقالـيم:
لقد أشار السفاح نميري في جريدة الأيام بتاريخ 4 أبريل 1985 إلى أنه ليس هناك تحرك معادي للنظام في أي إقليم من أقاليم السودان..
أما جريدة الصحافة فقد أشارت إلى أن اللواء بابكر عبد الرحيم أمين عام الاتحاد الاشتراكي قد تلقى برقية من نائب حاكم الإقليم الشمالي تؤكد وقوف مدينة عطبرة ضد “التخريب والعمالة “، كما تلقى السفاح نميري برقية من أمين وحاكم الإقليم الأوسط يؤكد فيها “إن جماهير الإقليم الأوسط تستنكر بشدة محاولات العملاء والخونة والمأجورين من فلول وأذناب العقائديين..”
هذا ما ورد في صحف النظام.. غير أن الحقيقة قد كانت غير ذلك تماما…،
مدينة عطبرة:
خرج عمال عطبرة في يوم 7/3 /1985 في موكب هائل يرفض زيادة الأسعار، ويطالب النقابات بإتخاذ موقف حاسم منها، وفي يوم 10 / 3 / 1985 خرج موكب موظفي السكة حديد من أجل أن تتخذ نقابتهم موقفا من تلك الزيادات في الأسعار.
وطوال الفترة من 10 – 25 مارس تواصلت التظاهرات في مدينة عطبرة، وفي يوم 26 مارس 1985 خرجت جماهير مدينة عطبرة بكافة قطاعاتها فجابت المدينة وتجمعت في ميدان المولد، ثم توجهت إلى دار نقابة عمال السكة الحديد وإستمرت التظاهرات في المدينة، وفي يوم 4/4 تم إعلان الإضراب السياسي العام..
هذا وقد اعتقلت السلطات عددا من المواطنين بتهمة الانتماء لحزب البعث.
إن جماهير عطبرة الباسلة قد إكتوت بنار الغلاء وإرتفاع الأسعار والتسلط والدكتاتورية والإرهاب، مثلها مثل جماهير الشعب السوداني، إضافة لذلك فقد ظلت حكومة الإقليم أيضا من جانبها تفرض زيادات على السلع، ولذلك فإن عطبرة وبحسها الثوري المتعاظم بدأت الانتفاضة فيها منذ السابع من مارس في التعبير عن رغبتها الأكيدة في خوض المعركة النهائية والحاسمة ضد نظام السفاح نميري.
إضافة لذلك فقد أصدر تجمع النقابات بمدينتي عطبرة والدامر بيانا في يوم 2 أبريل وهذا نص البيان:
بسم الله الرحمن الرحيم
عطبرة في 2/4/1985
بيان رقم (1)
يا جماهير عطبرة الباسلة:
بشرى لكم باليوم العظيم الذي كنتم في إنتظاره، وهنيئا لكم بتاريخ أمجاد البلاد وبصحوتها الغيورة والطامحة في الحياة الحرة الكريمة..
ومرحبا باسمكم برياح أكتوبر لنشعل قناديل التقدم والحرية، وقد آن الأوان لتلقين السلطة الدكتاتورية وعصابتها المأجورة درسا يخلد عزة الشعب السوداني ويتوج شرفه هامات هذا الوطن العظيم..
إن تجمع النقابات الذي تشكل من أبنائه الغيورين على الوطن ليشكل العمق الجماهيري لتجمع الشعب السوداني من أجل إقامة البديل الوطني التقدمي الرافض لمخططات الإمبريالية والمتمسك بوحدة البلاد شمالا وجنوبا.. إننا إذ نعلن إلى كل الجماهير المكتوية بنيران مايو الأسود إننا بعون الله قد قررنا أن نلحق مدننا الباسلة بركب الحركة الوطنية في الخرطوم، حتى تأخذ حجمها الحقيقي المعبر عن الإرادة الوطنية، لسحق نظام الدجل والنفاق، ولن يفلت الطاغوت الذي هرب بأسرته، وبقوت الجماهير للتسكع على أرصفة أسياده بينما تقف أجهزته القمعية والكرتونية أمام المد الجماهيري الواسع الرافض لسياسات الفقر والجوع والمتمسك بالإضراب السياسي حتى يسقط النظام الفاشي..
إننا إذ نناشد كافة النقابات التي عبرت عن إستعدادها للدخول في هذا التجمع لتلعب دورها الوطني في مسيرة الإنقاذ وأن تسعى لترتيب صفوفها من أجل اللحاق بركب الثورة، على أننا سنواصل إتصالنا بجميع أطراف الحركة النقابية من أجل توسيع قيادتها، وفي الوقت نفسه ننبه إخواننا في نقابة عمال السكة حديد لخطورة الدور الخبيث والجبان الذي يمارسه إبراهيم عبيد الله وإبراهيم طمبل وعبد الوهاب عبد الغني وكيل النقابة بالخرطوم عبر إتصالاتهم المتكررة برموز النظام المنهار، بغض النظر عن الدور البطولي والشجاع الذي يقوم به عمال السكة حديد وإرثها الفاعل على الشارع السياسي، وإننا نحذر في الوقت نفسه كل من تسول له نفسه العبث بإرادة الجماهير وإن بزوغ شمس الحرية لهو الآن أقرب من حبل الوريد، وإن يوم الحساب للمنتفعين والذين يساهمون في أزلال الجماهير آت لا ريب فيه..
عاش التجمع النقابي قائدا لمسيرة الحركة الجماهيرية..
عاش تجمع الشعب السوداني قائدا للحركة الوطنية..
والمجد والخلود لشهداء الانتفاضة الأبرار..
فليسقط نظام الفقر والجوع..
ولتستمر ثورة الشعب العظيم..
والاضراب حتى النصر..
تجمـع النقابات / عطـبرة ـ الدامـر
وفي يوم 4 /4/1985 توسع التجمع النقابي وعقد اجتماعا مهما أعلن فيه العصيان المدني والاضراب السياسي لمدة 3 أيام، تنتهي يوم الأحد حيث يتم الاجتماع مرة أخرى لاتخاذ الخطوات اللاحقة..
وصدر البيان التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:
(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا). صدق الله العظيم
إلى جماهير الشعب السوداني: باسم تجمع النقابات المنعقد اليوم بدار نقابة عمال السكة حديد الرابع من أبريل نحييكم تحية النضال المشترك..
لابد وإنكم عايشتم وتعايشون التردي المريع في أجهزة السلطة، الأمر الذي جعل المواطن السوداني يلهث في كسب لقمة العيش، وفاق الأمر حيث بدأت أجهزة السلطة إستعمال أساليب التضليل من جهة، والإرهاب والكبت والتعذيب من جهة أخرى، حتى بلغ السيل الذبى، وما انتفاضة قطاعات الشعب الكاملة متمثلة في المواكب الهادرة وتجمع النقابات، ما هي إلا نتيجة حتمية وكان لابد منها ونحن نمر بهذه اللحظات التاريخية الحاسمة بعد أن ضرب المواطن السوداني الرقم القياسي في الصبر وتحمل الضيم، ولكن إرادة الشعب فوق كل إرادة بعد أن فشلت كل السياسات الاقتصادية في رفع المعاناة عن كاهل الجماهير والعاملين، الأمر الذي جعل السودان يتمسح بأحذية البنك الدولي والقوى الخارجية الأخرى الطامعة في إستغلاله وإستغلال موارده..
كذلك التصاعد الجنوني للأسعار وما صاحبه من تخفيض مستمر في قيمة الصرف للجنيه السوداني، مما جعل المواطن يتحمل العيش دون الكفاف ويصبح السودان ألعوبة في أيدي الرأسمالية والإمبريالية العالمية..
بناء على انتفاضة جماهير الشعب وجموعهم الهادرة ونزولا لرغبته، اتخذنا القرارات الآتية:
1/ الإلتزام بقرارات تجمع النقابات.
2/ إعلان الاضراب السياسي العام لمدة ثلاثة أيام إبتداء من اليوم الخميس الرابع من ابريل 1985 الموافق 13 رجب 1405 وحتى يوم الأحد 16 رجب 1405
3/ يهيب تجمع النقابات بكافة قطاعاته أن يدعو كل العاملين للتجمع يوم الأحد 16 رجب 1405 الساعة العاشرة صباحا بميدان المولد وذلك تقييما للموقف.
ختاما نشيد بكفاح وبطولة الشعب السوداني البطل، ولا نامت أعين الجبناء..
عاشت وحدة جماهير الشعب السوداني من أجل حياة حرة كريمة..
والنصر لنا..
تجمع النقابات
عطـبرة في 4/4/1985
نقابة عمال السكة حديد ـ الهيئة النقابية لأطباء النيل ـ نقابة موظفي السكة حديد ـ تجمع مهندسي السكة حديد ـ الهيئة النقابية لعمال الكهرباء والمياه ـ فرعية المؤسسة العامة للبترول ـ عمال وعاملات المهن الصحية ـ مهندسي المواصلات السلكية واللاسلكية ـ سائقي عربات التاكسي ـ عمال وعاملات الثروة الحيوانية ـ موظفي وعمال مؤسسة ماسبيو ـ عمال النقل الميكانيكي ـ المهن الطبية فرع المصارف والبنوك ـ كلية الهندسة الميكانيكية ـ بكاسي الدامر عطبرة وريفي الدامر ـ بصات المدينة ـ بكاسي جنوب ريفي بربر ـ المحامين ـ المعلمين ـ أصحاب المطاعم ـ عمال المخابزـ البريد والبرق ـ الحكم الشعبي المحلي ـ النجارين..
وفي يوم 4/4/1985 صدر في مدينة عطبرة بيان من منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي بالمدينة، جاء فيه:
أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة
يا جماهـير عطـبرة الأبطـال..
إن حزبكم الذي عودكم دائما كشف مخططات النظام الدكتاتوري والذي عمل جاهدا طوال الفترة السابقة لتعرية النظام ومؤسساته، إنه لهو نفس الحزب العظيم الذي يزف إليكم بشرى مسيرة الانتفاضة الكبرى، والتي كنتم موقدوها الأوائل وهي تتقدم مسيرة النضال الوطني من أجل إقامة البديل الوطني الديمقراطي التقدمي ومن أجل عزة شعب السودان في كفاحه المرير للحياة الحرة الكريمة، وباسم الملايين من المعدمين والجياع والمشردين، والمهضومة حقوقهم من أبناء هذا الشعب العظيم، يعلنها حزبكم القائد، ثورة حتى النصر.. فلتتقد ثورة الجياع لتلقين طاغوت مايو الأسود وعصابته المأجورة درسا يخلد عظمة هذا الشعب الأبي، وليسجل تاريخ شموخه بعزة وإرادة صلبة.
حزب البعث العربي الاشتراكي ـ منظمة عطـبرة 4 أبـريـل 1985
مدينـة واد مـدني:
سيرت مجموعة من النقابات “يبلغ عددها12 نقابة” بود مدني في يوم السبت 31 مارس 1985 موكبا لتسليم مذكرة لحاكم الإقليم الأوسط، ومعنونة إلى النائب الأول لرئيس الجمهورية، وقد إشتملت المذكرة على تحديد أسباب التردي السياسي والاقتصادي في البلاد، وأشارت إلى أن هذا النظام قد وصل لطريق مسدود، وإن التغيير قد أضحى حتميا، وإن على النظام أن يستجيب سلميا لهذا التغيير، وإلا فإن الشعب لا محالة محقق إرادته مهما غلا الثمن..
وجاء في المذكرة:
نحن نطالبكم باتخاذ الإجراءات التالية حتى يمكن تجنيب الوطن ويلات المحنة والدمار:
أولا: تعطيل العمل بدستور 1973 المقيد للحريات.
ثانيا: تكوين قيادة إنتقالية ممثلة لجميع الفئات الوطنية والشريفة لتسيير أمر البلاد وحتى قيام مؤسسات ديمقراطية منتخبة من قبل الشعب.
وحددت المذكرة مهام السلطة الإنتقالية في حل جهاز أمن الدولة، والاتحاد الاشتراكي ومجالس الشعب، وإطلاق الحريات العامة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وحل مشكلة الجنوب سلميا، ومحاسبة كل مرتكبي الجرائم في حق هذا الشعب ورد المظالم.
وعلى أثر ذلك الموكب اعتقلت سلطات الأمن بمدينة واد مدني عددا من الأطباء، غير أن تلك النقابات واصلت إتصالاتها مع بقية النقابات لتدخل الاضراب السياسي العام.
وفي يوم الخميس 4 أبريل كان السوق في المدينة مغلقا تماما، ودخلت معظم المصالح والمؤسسات الحكومية في الاضراب السياسي العام، وسيرت النقابات، وجماهير المدينة مظاهرة هادرة تهتف بسقوط النظام، بدأت من مبنى القضائية وتوجهت نحو السكة الحديد، فتصدت لها قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع..
وفيما يلي المذكرة التي رفعتها النقابات بمدني إلى السلطة يوم 31/3/1985
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية:
نخاطبكم اليوم في ظروف خطيرة ووضع مترد وأحوال متدهورة حيث ضربت المجاعة البلاد وشمل الجوع المقتدر والمعدم تجميعا لحصاد ستة عشر عاما من حكم الفرد والتسلط.
إن التردي السياسي إنما جاء وليدا شرعيا لسياسة كبت الحريات التي بدأت تأخذ طريقها نحو الجامعات، ومن القوانين المقيدة للحريات، وغياب الديمقراطية، وتمكين حكم الفرد، والتخبط في كل القرارات السياسية، وغياب حكم القانون، وعدم استقلالية القضاء، وتحكم أجهزة الأمن وهيمنتها، ونهج السلطة الاعلامي في تضليل الشعب وصرفه عن المطالبة بحقوقه الأساسية ومحاولة شغله بقضايا جانبية كسياسة تقديم كبش الفداء لكل مأذق تدخل فيه السلطة، ثم وصل الأمر بالسلطة لحل النقابات الوطنية وإعلان حالات الطوارئ، وإنتهاك كل الحيل التي استنفذت أغراضها ولم تعد تجدي فتيلا، وهذا قليل من كم هائل من أسباب التردي السياسي والإنهيار في بنية المجتمع ثم كانت الحرب في جنوب الوطن ساحة تسيل فيها دماء أبناء الشعب وتبدد فيها موارد بلا مصلحة أو عائد سوى مزيدا من التمزق والشتات..
على الجانب الاقتصادي، الذي جاء تدهوره نتيجة حتمية للتسلط والفساد فتدنت قيمة الجنيه السوداني، وإنعدمت ضروريات الحياة من خبز ودواء ومواد بترولية إضافة لعبء أنهك كاهل المواطن السوداني المسحوق..
كل هذا دفع البلاد لترتمي في أحضان الإستعمار الحديث ممثلا في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وكل المؤسسات الإستثمارية التي فرضت سياساتها على البلاد.
جاءت الزيادات الأخيرة في كل السلع والمواد الضرورية تنفيذا حرفيا لتلك الشروط الإستعمارية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط بينما تنعم أجهزة السلطة بكل وسائل الرفاهية.
لم تقف السلطة في حدود التردي السياسي والإنهيار الاقتصادي فقط، بل تعدته إلى تدني أخلاقيات الممارسة السياسية بدخول السودان في حالة الصراع الدولي بجمعه اليهود الفلاشا (لإسرائيل)، وإهدار الكرامة الوطنية بجعل أراضي الوطن الطيبة مسرحا للقواعد الأمريكية ودفن النفايات الذرية..
السيد النائب الأول:
خلاصا لما ذكر، فإن هذا النظام قد وصل طريقا مسدودا والتغيير قد أضحى حتميا، والعقل والمنطق يفرضان على من في مكانكم العمل على أن يتم هذا التغيير دونما إثارة للفوضى وإراقة للدماء، فكفى هذا بالشعب معاناة وكفاه ذلا..
إن واجبكم يحتم عليكم أن تقوموا بطريقة سليمة ومنظمة بأحداث هذا التغيير، وألا فإن الشعب لا محالة محقق إرادته مهما غلي الثمن..
وعليه فنحن نطالبكم بالإجراءات الآتية حتى يمكن تجنب الوطن ويلات المحنة والدمار:
أولا: تعطيل العمل بدستور 1973 المقيد للحريات والذي قنن الدكتاتورية الفردية ودولة القمع..
ثانيا: تكوين قيادة إنتقالية ممثلة لجميع الفئات الوطنية والشريفة لتسيير أمر البلاد وحتى قيام مؤسسات ديمقراطية ومنتخبة من قبل الشعب..
تقوم السلطة الإنتقالية بتنفيذ المهام التالية:
1/ حل جميع الأنظمة القمعية من جهاز أمن الدولة وتوابعه والتنظيمات المزيفة لإرادة الأمة مثل الاتحاد الاشتراكي ومجالس الشعب وغيرها.
2/ إطلاق الحريات العامة من حرية الفكر والتنظيم والتعبير.
3/ إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.
4/ وقف نزيف الدم في الجنوب بالدعوة لحوار صادق وأمين ورفض الحل العسكري والمزايدات الرخيصة باسم الحوار.
5/ مراجعة السياسات الاقتصادية المدمرة والتي جرت على شعبنا ويلات الغلاء والجوع، وفك الاقتصاد الوطني من الإرتباطات المشبوهة بالإستعمار ومؤسساته الاقتصادية مثل البنك الدولي ومؤسسة النقد العالمية.
6/ اتخاذ خطوات عاجلة لمحاربة الغلاء وتخفيف وطأته على جماهير الشعب، وإعلان الحقائق المجردة عن مدى كارثة المجاعة بالوطن وجعلها القضية الأولى أمام قيادات الشعب.
7/ محاسبة كل مرتكبي الجرائم في حق هذا الشعب ورد المظالم.
السيد النائب الأول:
من منطلقات الوطنية والمسؤولية التاريخية نرفع هذه المذكرة واثقين إن خلاص الوطن هو في إتخاذ هذه الخطوات، وبسرعة وحسم لتفادي الأخطار المحدقة بالوطن والأمة، وإلا فإن الشعب الذي صبر وكابد على مدى ستة عشر عاما عجافا قد وصل ليل صبره إلى منتهاه، وحتما سيأخذ الأمور بيده وينتصر لإرادته، ويستشرف فجر حريته وكرامته.
* عاش الشعب السوداني كريما وحرا مستقلا.
* وليسقط حكم الفرد والدكتاتورية.
والسـلام.
نقابة أساتذة جامعة الجزيرة
اتحاد طلاب جامعة الجزيرة
النقابة الفرعية لأطباء الجزيرة
نقابة المحامين
هيئة البحوث الزراعية
نقابة المهندسين
نقابة الموظفين وفني معامل جامعة الجزيرة
نقابة موظفي النسيج
تجمع المعلمين
نقابة عمال جامعة الجزيرة
تجمع الصيادلة
نقابة عمال النسيج
9 رجـب 1405
31/3/1985
مدينة كسـلا:
أعلن الأطباء الاضراب في مدينة كسلا يوم الخميس 4 أبريل 1985 حيث سلموا مذكرة لحاكم الإقليم الشرقي، وكان أن اجتمعت نقابات الأطباء والمحاميين والقضاة والصيارفة والبياطرة والزراعيين والمهندسين، في ميز الأطباء وقرروا تكوين تجمع القوى الوطنية وإعلان الاضراب السياسي، ودخلت بعض هذه الفئات في الإضراب يوم السبت قبل إذاعة بيان إنحياز القوات المسلحة للجماهير، وقد سيرت كل هذه القوى موكبا ضخما يطالب بقيام حكومة مدنية ديمقراطية، وحل جهاز أمن الدولة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
مدينـة كـوسـتي:
في الفترة ما بين 26 مارس على 6 ابريل، شهدت مدينة كوستي جملة من الفعاليات السياسية التي بدأت يوم 26 مارس نفسه بكتابة شعارات على الحائط موقعة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، تدعو الجماهير للإضراب السياسي والعصيان المدني.
وفي 30 مارس ابتدأت التظاهرات في المدينة تهتف بسقوط نظام القهر والجوع..
وتكون تجمع النقابات من 14 نقابة على رأسهم الأطباء والمحاميين والقضاة، وقد قامت أجهزة أمن السفاح باعتقال المواطنين الآتية أسماءهم:
1/ أحمد يحي أبو القاسم – طالب
2/ حيدر أحمد مكي – مهندس مدني
/ بشير آدم البشير – مساعد صيدلي
4/ عيسى البشير رابح – طالب بالصف الأول ثانوي
مدينـة بور تسودان:
بدأ الاضراب السياسي في بورت سودان يوم الثلاثاء 2 أبريل 1985 بمبادرة من نقابة الأطباء بالبحر الأحمر، بإعلانهم الاضراب المفتوح الذي وجد إستجابة سريعة باضراب المحاميين في يوم 3 أبريل، ثم اضراب المهندسين بكافة أقسامهم، وبلغ الاضراب ذروته يوم الخميس 4 أبريل وتحول إلى شكل كامل في يوم السبت 6 أبريل.
لقد تحول ميز الأطباء في بورت سودان منذ الثلاثاء 2 أبريل إلى مركز تجمع شعبي، ووزع الأطباء منشورا يدعون فيه للعصيان المدني، مما أدى لاعتقال أكثر من 30 طبيبا.
وفي صباح السبت وقبل بيان إنحياز قوات الشعب المسلحة للشعب، خرجت المدينة في تظاهرة هادرة، وتم تسليم مذكرة لحاكم الإقليم تؤكد على الاضراب حتى إسقاط النظام.
وعند سماع بيان إنحياز القوات المسلحة للشعب، تقرر الإستمرار في العصيان المدني حتى يتم حل جهاز أمن الدولة، واعتقال سدنة النظام المايوي، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتسليم السلطة للشعب.
ولم يرفع الاضراب في بور تسودان إلا بعد يوم الثلاثاء 9 أبريل 1985.
يتبع  ((
إلى اللقاء في الحلقة القادمة مع أحداث يوم الحسم يوم السبت العظيم السادس من أبريل 1985

 

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن