الملتقي السوداني حول الدين والدولة نيروبي ٢٣ / ٢٥ فبراير – تجربتي الشخصية في الحكم

جبران خليل جبران

 بِسْم الله الرحمن الرحيم

الملتقي السوداني حول الدين والدولة نيروبي ٢٣ / ٢٥ فبراير
تجربتي الشخصية في الحكم

مدخل : 
الحركة الأسلامية في السودان محاولة لأحياء الدين، فرضتها قناعات جادة لبعض الشباب المسلم صداً لثقافة المستعمر ووقوفاً فى وجه التيار العلماني واليساري، ولم تنشأ إبتداءً من أجل السلطة والمال كما يشيطنها البعض، إنما نشأت إجتهاداً من أجل حماية المجتمع المسلم من الاستلاب الفكري وإقامة شريعة الله على أرض الناس كما هو مسطر ومقروء في أدبياتها، وقد بدأ التبشير لمشروعها الفكري السياسي في مدرجات دور العلم آنذاك حيث كانت الأنطلاقة من كلية غردون (جامعة الخرطوم)٠ هذه المقدمة هي المنصة العادلة التي ينبغي أن تقف عليها التجربة في مواجهة الرأي العام لمحاكمتها فكرياً وسياسياً ، ولنبحث إبتداءً عن الاجابة لسؤال محوري هام هو لماذا حدثت هذه المفارقة الكبيرة في التجربة بين الواقع والمثال النظري، خاصة وأن التجربة قد توفرت لها كل مقومات النجاح من فترةٍ زمنيةٍ كافٍية و كادرٍ مؤهلٍ لم يتوفرا لأي حكومة سابقة في السودان، وعندما أقول محاكمة التجربة الإسلامية لا أقصد بذلك محاكمة الأسلام، فالإسلام وحي مقدس من عند الله تعالي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما أعني بذلك محاكمة التجربة البشرية التي حاولت الحركة الاسلامية إنزالها اجتهاداً علي واقع الناس، وهي نتاج فكري محض مثله مثل كل الأفكار البشرية الأخرى، معرض للصواب والخطأ، ويأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، ويعتريه النقص وعدم الكمال، ويحتاج للمراجعة والتجديد، وقد بدأت الآن أصوات من داخل الحركة الأسلامية لها ثقل تنظيمي ومعرفي تنادي بأهمية ذلك باعتبارها ضرورة تقتضيها الممارسة وتحديات التطبيق ٠

١ / المشروع الحضاري:
كانت التجربة بالنسبة لي قاسية جداً من الناحية النفسية ، فقد عانيت كثيراً من ازدواجية المعايير وأختلال الموازين، وها أنذا أقدم شيئاً منها للتشريح والتشخيص والدراسة واستخلاص العبر والفوائد، لنتجاوز بها وبغيرها من التجارب الواقعية المعاصرة الكيفية التي ظللنا نؤسس عليها كإسلاميين النظريات في السياسة والاقتصاد والمجتمع، معتمدين في ذلك علي التراث المنقول باعتباره حقاً مطلقاً لا يقبل المزايدة، وليتنا استفدنا من التجارب الإنسانية المعاصرة، ومن العلوم ﺍلاجتماعية والنظريات السلوكية الحديثة للتقييم والتقويم، بدلاً من هذا التجريد المخل، والذي لا يتفق ورسالة الإسلام المنجمة من لدن حكيم خبير، والتي رسّخت بمنهجها الرباني قيمة (وإن الدين لواقع) الواقع الذي يرفض نظرية احتكارالحق وامتلاك الحكمة المطلقة ويعترف بالآخر مهما كان معتقده وسلوكه ، ولعل من أكبر الأخطاء المفاهيمية للحركة الإسلامية إضفاء قدسية الدين على اجتهاداتها وتبرير نظرها البشري البحت علي أساس ديني ، وسأحاول من خلال هذه الورقة أن أتطرق لذلك من خلال تجربتي الشخصية في الإدارة والحكم ، علها تسهم في تلمس الطريق الصحيح لمسار تقويم التجربة ، ولست هنا بصدد تقديم التجربة من منظور علمي ، بقدر ما هي معايشة شخصية ٠ جئنا للحكم بلا تجربة عملية سابقة لتأسيس دولة إسلامية بمقومات الحداثة ، تحت شعار الإسلام هو الحل ، دولة تخضع لنظام عقدي سياسي ، مع أني لم أقف علي تعريف متفق عليه للدولة في الإسلام السياسي ، ولكن عرّفت الحركة الإسلامية مشروعها بأسم (المشروع الحضاري) وهو مصطلح للإسلام الشامل، والإسلام كما نعلم لا يُؤْمِن بالحدود الجغرافية للدولة وقد عبر عن هذا كثير من الشعراء الإسلاميين قال أحدهم : 
ولست أرى سوي الإسلام لى وطنا 
الشام فيه وبلاد النيل سيان 
وقال الآخر : 
وكلما ذكر اسم الله فى بلد
عددت أرجاءه من لب أوطانى
لذلك لم يكن المشروع الحضاري ﻣﺸﺮﻭﻋﺎً ﻭﺍﻗﻌﻴﺎً ، ﺑﻞ هي أشواق ﻭﺃﻣﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺻﺪﻭﺭ ﺍﻟﺬﻳﻦ جاءوا به ﻭتَجسّدَ ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺘﻲ ﻣﺸﺮﻭﻉٌ وحضاري !! وﻣﺎﺫﺍ ﺗﻌﻨﻲ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﻜﻠﻤﺘﻴﻦ؟ ﻭﻛﻴﻒ ﻳﻨﻔﺬ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ؟ ﻭﻣﺎﻫﻲ سماته ﻭأدواته ﻭﻟﻮﺍﺯﻣﻪ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺔ؟ ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﻏﻴﺮ ﻣﻌﻠﻮﻡ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺘﻔﻖ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭلقد ﻇﻠﻠﺖ مع ﺍﻹ‌ﻧﻘﺎﺫ ﻗﻴﺎﺩﻳﺎً ﺗﻨﻔﻴﺬﻳﺎً ﻣﻨﺬ ﻗﻴﺎﻣﻬﺎ ، ﻭﻛﻨﺖ ﻣﻬﻤﻮﻣﺎً جداً ﺑﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﺍلاجتماعي ، ﻭﻟﻜني ﻟﻢ أقف ﻋﻠﻲ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﻭﺍﺿﺢ ﺍﻟﻤﻌﺎﻟﻢ ﻟﻤﺼﻄﻠﺢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ!! ﻛﻤﺎ ﻟﻢ أجد ﺷﺨﺼﻴﻦ ﻓﻲ ﺳﻔﻴﻨﺔ ﺍﻹ‌ﻧﻘﺎﺫ ﻳﺘﻔﻘﺎﻥ ﻋﻠﻲ ﻣﻌناه!! فكل منا يقدسه وﻳﻔﺴﺮه ﻭيُجسّده علي أرض الواقع ﻭﻓﻖ ﻫﻮﺍﻩ ﻭاجتهاداته ﺍلخاصة ٠ 
ظل ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟهلامي أثناء الممارسة ﻳﻔﺘﻘﺪ القدرة ﻋﻠﻲ ﺍﻹ‌ﺑﺪﺍﻉ ﻭﺍلإنتاج ، كما ظل ﻣﺸﺮﻭﻋﺎً ﺭﺍﻛﺪاً خاملاً ‌مستبداً ﻭعاجزاً عن تحقيق حضوره ، ﺑﻞ ﺣﻘﻖ ﻋﻜﺲ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ينبغي أن يحقق ، وقد أثبتت الممارسة العملية أننا لا نملك إجابةً لكثيرٍ من الأسئلة التي فرضت نفسها علي الواقع ، ومن ثم دخل ﺍﻟﻤﻮﺍﻃن بهذا القصور النظري ﻓﻲ ﺃﺯمات متعددة ، حيث اختلطت الأولويات ، وتراجعت الاسبقيات ، وارتبكت المفاهيم ، ﻓﺰﺍﺩﺕ ﺣﺪﺓ ﺍﻟﻔﻘﺮ ، ﻭﺍﻧﻔﺮﻁ ﻋﻘﺪ ﺍلأمن ، ﻭﺗﺸﻈﺖ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﺿﺎﻕ ﺍلوطن ﺑﺄﻫﻠﻪ وﺑﻤﺎ ﺭﺣﺐ ، ﻓﻬﺎﺟﺮﺕ ﺍﻟﻜﻮﺍﺩﺭ ﺍﻟﻤﺆﻫﻠﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﺠﺎﻻ‌ﺕ ، ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻟﻔﺎﻗﺔ ﻭﺗﺪﺍﻋﻴﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﺴﺎﻟﺒﺔ ، كما ظل مثالنا يتحدث عن ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍلاجتماعية ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻭﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺮﺷﻴﺪﺓ ، ولكن بقيت الرؤية الأمنية هي التي تتصدر قضايا الحكم في الشأن العام مما أفقد التجربة قدرتها علي التطور للتي هي احسن ٠ 

٢ / التناقض بين الواقع والمثال : 
عُيّنت محافظاً في أول عهد الأنقاذ وبعد أدائي للقسم مباشرة اجتمع بي التنظيم وزودني بكل توجيهات العمل، علماً بأن هنالك دولة ذات شخصية اعتبارية وقانونية ومؤسسات تشريعية وتنفيذية، وعدت بهذه التوجيهات إلي مكان عملي في المحافظة المعنية رجلاً فيه شركاء متشاكسون، أحدهما الدولة بمؤسساتها، والآخر تنظيم صفوي لا سلطان له علي الناس، ولكنه قيّم علي دولتهم من وراء حجاب، تنظيم يحتفظ بكل قوته وهيمنته، وتُدينُ له العضوية بكامل الولاء والطاعة، من دون السلطان الشرعي ، وقد أدي هذا التناقض في الفكرة إلي حالة مضطربة جداً أخلت بالتوازن النفسي للدولة والحركة ، كما أحدثت هذه المشادة بين النظرية والتطبيق شروخاً في بنية الفكرة ، وتناقضاً إهتزت بسببه القناعات الراسخة في نفوسنا عقيدة وتأصيلاً ، وبدأت تتكشف عورات وسوءآت المشروع الحضاري لمنسوبيه بسبب هذا التناقض الذي قصم ظهر الحركة الإسلامية ، فأنشقت وتهيأت لمزيد من التصدع والاختلافات ، بعد أن إحتدم صراع المصالح بين سلطان الدولة ومراكز قوي التنظيم ٠ 

٣ / المؤتمر الوطني : 
بين المؤتمر الوطني كحزب سياسي والحكومة كجهاز تنفيذي علاقة زواج كاثوليكي ، وثّق عقد قرآنهما النظام الأساس للحزب ، الذي عين رئيس الجمهورية رئيساً للحزب علي المستوي القومي ، والوالي رئيسا علي مستوي الولاية ، والمعتمد في محليته ، والغرض من ذلك تسخير كَآفَّة إمكانات الدولة في خدمة الحزب، وَمِمَّا نعلمه تماماً أن أنشطة الحزب من تجريدات لدعم المجاهدين لمناطق العمليات ، والمتضررين من الأمطار والسيول ، وموائد الرحمن ، والزيجات الجماعية ، وغيرها من الأنشطة التي تُنظم تحت لافتات المؤتمر الوطني المختلفة للكسب السياسي ، كانت خصماً من ميزانية الدولة ٠ كما كنا كإسلاميين في الجهاز التنفيذي نتمتع بحصانة تنظيمية دون الآخرين ، وَمِمَّا أؤكده هنا أنه طيلة عملي كدستوري منذ العام ١٩٩٢ حتي العام ٢٠١١ لم أخضع لمساءلة أو محاسبة ولم أُخاطب من سلطان الدولة بأمر افعل أو لا تفعل أو لِمَ فعلت ، لأننا لا نتحاكم إلي نظم الدولة و تراتيبها وأعرافها , بل نتحاكم إلي التنظيم ، ويشفع لنا أمام المساءلة تاريخنا السياسي وكسبنا التنظيمي في الحركة الإسلامية ، وذلك باعتبارنا أصحاب حق من دون الآخرين ، وهذه الحصانة جعلت لنا قيمة مضافة في الجهاز التنفيذي ، فربما تجد والٍ مستقطب جاءت به إلي السلطة الموازنات السياسية يخاف من موظفٍ منظم في الحركة الإسلامية ، بل رأينا بعضهم يسعي لإرضاء هؤلاء الموظفين تقرباً لصناع القرار ، وطمعاً في منزلة أخري ، وبالطبع ترتب علي ذلك ضياع هيبة الدولة ، وتراجع سلطانها وضعُف أداؤها السياسي ٠

٤ / سمات الخطاب السياسي : 
ظل الخطاب السياسي للإنقاذ خطاباً عاطفياً وخيالاً مجرداً ، عبارة عن شعاراتٍ وهتافاتٍ فارقة المحتوي والمضمون تحركه الحماسة والأشواق ويفتقد للواقعية ، وكان في بداياته الأولي عالميّ التوجه ، وسعي لتجميع الحركات الاسلامية والقوي السياسية الموالية علي صعيد واحد لتكوين جبهة عالمية عريضة لمقابلة اعدائه ، مما ترتب علي ذلك آثارٍ سياسيةٍ وامنيةٍ سالبة ظللنا نعاني من إفرازاتها وندفع ثمنها حتي الآن ٠ كما تميز الخطاب بالنقل والتقليد والاعتماد علي قصص التراث اللامعقولة ، ولم يوجه لبناء الشخصية السودانية في ذاتها لغرس قيم الحق والخير فيها ، ولم يستنهض الهمم نحو قضايا الوطن الضرورية من تنمية وعمران ، وكنّا نتوسل به عند الحاجة لمعالجة الإشكالات السياسية والأمنية ، ونوظفه بالوعظ للتعبئة وتجييش المواطنين للصبر والاحتساب علي الإبتلاءات ، بلغة الترهيب والترغيب من أجل آخرتهم ٠

٥ / نظرية التمكين :
إبتدع النظام نظرية التمكين التي هي في الحقيقة (التسييس) فقد سُيست بهذه النظرية الخدمة المدنية تماماً ، مما أدي إلي انهيار تلكم المؤسسة ذات التاريخ والتقاليد والقيم الموروثة ، واختل فيها ميزان العدالة وسيادة القانون بقرارات ظالمة ومجحفة ، وشُرِدَ جراء هذه السياسة مئات من العاملين أصحاب الكفاءات والقدرات ، بحجة أن صاحب الولاء أفضل للمشروع الإسلامي من صاحب الكفاءة ، وأصبح التنافس علي الوظيفة العامة في عمود الدولة الفقري يخضع لقانون الموالاة السياسية والموازنات القبلية والجهوية والمصلحة الشخصية ، بعيداً عن لجان الاختيار ذات الشفافية والوضوح ٠ ومن وسائل التمكين والتأمين التي اتخذتها الحركة لمشروعها وكانت وبالاً عليه ، استصحابها لجهاز معلوماتها الخاص ، والذي خلق بيئة سيئة يشوبها الحذر و الخوف والنفاق ، وقد سمعت ممن هو في قمة الهرم التنظيمي يصف هذه المؤسسة قادحاً بأنها استباحت أعراض أكثر من ٩٥ ٪‏ من عضوية الحركة الإسلامية ، مما خلق صراعاً محموماً فيما بيننا بصورة فاقت صراعنا مع الآخرين ، فاعوج الصف وفُقِدت الثقة وتأجج الصراع من أجل السلطة ، وأهتزت القناعات في مصداقية المشروع وأعتزل البعض ، وآثر عددٌ كبير من الاسلامين الجلوس علي الرصيف ٠ ومن وسائل التمكين الذي ابتدعته الانقاذ أيضاً قانون النظام العام ، وهو تديّن ظاهري مسرحه الشارع العام ، وبأسم الإسلام استباح هذا القانون أعراض الناس ، وهتك خصوصيتهم وشهّر ببعضهم ، وكانت السلطة تسعي من وراء هذه السياسة إلي تنميط الشخصية السودانية ، وهذا بالطبع يخالف الفطرة وتنوعها الإيجابي ، ولذا جفت منابع الإبداع ، وذابت شخصية الفرد واستقلاليته ، وغُيّبت فكرة المواطن والوطن لتحل مكانها فكرة الجماعة ذات النمط الواحد٠ ومن وسائل التمكين التي اعتمد عليها النظام ، تسيس الإدارة الأهلية واستقطاب القبائل لِيُقوّي بها عوده ، باعتبارها سنة من سَنَن المصطفي (ص) في الدعوة ، وهذه كلمة حق أريد بها باطل وقياس فاسد ، فالفارق بينهما جدُ كبير ، فالرسول (ص) بايعته القبائل علي البراء من الكفر إبتغاء مرضاة الله ، والقبائل بايعت الإنقاذ ابتغاء مناصب دستورية ترجوها في المركز والولايات ، حتي أصبح الخروج علي السلطان سنة لِنيل حظٍ من السلطة والثروة وترتب عن ذلك أن عجزت التجربة من إدارة التنوع الثقافي في الوطن٠

٦ / مصطلح الشريعة الإسلامية : 
قال تعالي : ( ثم جعلناك علي شريعة من الأمر فاتبعها ) قال أبن عباس (على هدى من الأمر وبيِّنة) وقال أبن زيد (الشريعة هي الدين) وقرأ (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) فعلمتني التجربة أن الشريعة ليست نسخة واحدة متفق عليها كما نظن ، تُنَزَّل كقانون علي الناس ويطبقها الحاكم في كلِ زمانٍ ومكانٍ ، بل هي تَجلِّيات ظرفية ، يفرضها الواقع علي العباد ولكل واقع تجلّيه ، وقد تختلف التّجليات باختلاف ظرفي الزمان والمكان ، بالإضافة إلي ظرف المُعيّن نفسه إذا كان شخصاً أو مجتمعاً ، حيث لا يكلف الله نفساً إلّا وسعها ، والنفس في هذه الآية تصدُقُ للمُعَيّن شخصاً كان أو مجتمعاً ، فإذا صدَّقنا بأن الإسلام تكليفاً من عند الله ، فإن الوسع هو الشرط الأساس للتكليف ، فبقدر الوسع يكون التكليف ، وقد تختلف نسخة إسلام شخص ما أو مجتمع ما تماماً عن آخرين ، في زمان و مكان آخر ، بل ربما يكون الاختلاف أحياناً في ذات المكان والزمان ، فالغنيُّ مثلاً تختلف نسخة تدينه عن الفقير ، وحديث العهد بالإسلام لا تقبل عدالة السماء أن يكون كقديم العهد به ، فلكلٍ وُسعه ، ومن أكبر أخطائنا في التجربة أننا كلفنا الناس ما لا يطيقونه والحق عز و جل يقول: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) فعانينا بسبب قِصر همة الدولة عن تحقيق أدنى مستويات التنمية والخدمات من تعليم وصحة وغيرها من الضروريات اللازمة ٠ كما هدتني التجربة أن من أسباب سقوط المشروع الحضاري في نفوس منسوبيه قبل الآخرين ، أن الحركة الإسلامية قدمته للناس باعتباره مشروعاً سياسياً قانونياً لا يقبل النقاش ، ولم تقدمه مشروعاً اجتماعياً منجماً ، يراعي حاجات الناس ومصالح العباد ويدأب في تحقيق كفايتهم ، كما قدمه صاحب الرسالة محمد بن عبد الله (ص) والذي لم يفرضه علي الناس لا بأغلبيةٍ عن طريق صناديق الاقتراع، ولا بأقليةٍ عن طريق فوهات البندقية، فكان شعاره (ص) خلو بيني وبين العرب ، فالإسلام دعوة مجتمعية ، محورها الإنسان الفرد (ولقد جيئتمونا فرادي كما خلقناكم أول مرة ) ٠ 

خاتمة : 
كما أكدت لي التجربة أننا كإسلاميين نعتقد أن الله يغفر لنا ما لا يغفره للآخرين ، لذلك تجدنا نجتهد بإيراد الأدلة والمسوغات الشرعية والأخلاقية لأعمالنا مثل مبرراتنا لإستيلاء السلطة عن طريق الأنقلاب العسكري ، علماً بأن الحركة الإسلامية قاومت انقلاب الفريق إبراهيم عبود وساهمت في الإطاحة به عام ١٩٦٤ ، كما أعلنت منذ اليوم الأول مقاومتها لحركة نميري في ١٩٦٩ ، ثم صالحته فانقلب عليها ، فساهمت كذلك بكوادرها في الإطاحة به في أبريل ١٩٨٥ ٠ تجدني استدرك علي الحركة الأسلامية هذا الكيل بالمكيالين ، تستوفي بأحدهما لنفسها ، وتخسر بالآخر للآخرين ، فإن كانت الانقلابات العسكرية تجوز بتقدير المصلحة ، فيعني ذلك أنها حكم عام لكل من يري ذلك ، وإذا كان خروجنا علي نظام مايو بالسلاح عندما دخلنا مدينة أمدرمان من ليبيا مع حلفائنا فإن ذلك بالضرورة جواز لدخول قوات الاخ المنشق خليل إبراهيم رحمة الله عليه لأمدرمان بذات الطريق ، وإذا كان إضراب الأطباء الذي قاده الإسلاميون مع آخرين في أبريل 1985 جائزاً شرعاً وأخلاقاً ، فأن ذلك يجوز لأطباء اليوم أن يضربوا عن العمل كما أضرب أولئك ٠ هذه المواقف المتباينة أفقدت الحركة الإسلامية مصداقيتها ، وهي أولي بالثبات علي المبادئ من غيرها ، لأنها تجعل من الدين وقيمه منهجاً لها قال تعالي : ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) والقول الثابت الذي أرمي إليه هو ضرورة ثبات المكيال ، والقرآن يقول (وَيْل للمطففين الذين إذا اكتالوا علي الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) وكنت كلما خلوت ونفسي سائلها : تُري هل تعتبر الحركة الإسلامية موقفها الآن من الذي يجري في الساحة السياسية والتنفيذية في البلاد موقفٌاً تعبدياً تبتغي به مَرْضَات الله ، أم هو موقف نفسي وسلبي يفرضه عليها تعقيدات الواقع والخوف من المحاكمة التاريخية وشماتة الأعداء ٠ لكل هذه الأسئلة وهذه الممارسة العملية اقتنعت بأن تجربتي قد تقاصرت عن قيم الاسلام ، و أن الاسلام سيكون (هو الحل) عندما يكون الخطاب القرآني لكل الناس (يا أيها الناس) بلا تمييز ، وعندما نستوعب معني قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) وعندما يكون الإسلام مشروعاً اجتماعياً ، و تكون السياسة فيه فكراً إنسانياً وليست ديناً تتقدس به الجماعة وقياداتها ، وسيكون الاسلام هو الحل عندما نستوعب مسيرة الأنبياء كما وصفها المصطفي (ص) حين قال: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بني داراً ، فأكملها وأتمها إِلَّا موضع لبنة فجعل النَّاس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون : لولا موضع هذه اللبنة ، قال النبي ( ص ): فأنا موضع اللبنة ، حيث ختمت الرسالات ) فهل يا تُري قدمت الحركة الإسلامية تجربتها مشروعاً إنسانياً لبناء هذه اللبنة ، والتي هي امتداداً لمسيرة طويلة في تاريخ الأنسانية ؟ وهل ما استنبطه علماء الحركة الإسلامية من فكر أسسنا عليه تجربتنا جدير بهذه المسؤولية التاريخية العظيمة لتكملة البناء ؟ أم نحن أصحاب مشروع عجز من أن يقدم فرص النجاح والتطبيق للشعار التاريخي للاسلاميين (الإسلام هو الحل) فاستحق بذلك أن يترجل ويتخذ من المراجعة والتقويم للتجربة إعتذاراً للشعب السوداني ويكون بذلك قد أضاف للتجربة السياسية السودانية عبرةً للإعتبار والله من وراء القصد وهادي السبيل..

مبارك  الكودة

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن