حروبُ الرسائلِ والمبادرات بين الصادق المهدي والدكتور جون قرنق (1/3) بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

الصادق المهدي والدكتور جون قرنق

?حروبُ الرسائلِ والمبادرات بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق (1/3) ..

✍? بقلم: د.سلمان محمد أحمد سلمان

1
كانت حكومةُ الإنقاذ قد فرغتْ من التوقيعِ على الميثاق السياسي مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية، وبدأت التفاوض على اتفاقية الخرطوم (السلام من الداخل) عندما نجح السيد الصادق المهدي في الخروج من السودان ودخول إريتريا في 9 ديسمبر عام 1996. وكان ذلك بعد عامٍ ونصف من توقيع قادة التجمّع الوطني الديمقراطي على إعلان أسمرا حول القضايا المصيرية في يونيو عام 1995. وقد تمّ في ذلك الاجتماع نفسه انتخاب السيد محمد عثمان الميرغني رئيساً للتجمع الوطني الديمقراطي، والدكتور جون قرنق نائباً له، والسيد مبارك الفاضل المهدي أميناً عاماً للتجمع.

صادف وصول السيد الصادق المهدي لمدينة أسمرا تواجد الدكتور جون قرنق هناك، فالتقيا لفترةٍ قصيرة. وقد أكّد السيد الصادق المهدي خلال ذلك اللقاء التزام حزب الأمة بالاتفاقيات التي وقّعها السيدان مبارك الفاضل المهدي وعمر نور الدائم مع الحركة الشعبية نيابةً عن الحزب. وقد فُهِم ذلك الالتزام على أنه إشارةٌ واضحة إلى اتفاقية شقدوم الموقّعة في شهر ديسمبر عام 1994، والتي وافق فيها حزب الأمة على حقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وكذلك إلى توقيع حزب الأمة على مقررات أسمرا في يونيو عام 1995. 

كان ذلك ثاني لقاء للسيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق. وقد أتى ذلك اللقاء بعد أكثر من عشر سنواتٍ على اللقاء الأول في أديس أبابا في يوليو عام 1986، الذي دام لحوالي تسع ساعات، وانتهى بالفشل التام. لكن اللقاء الثاني الفجائي كان قصيراً، وعلى قصره فقد ساد فيه الصمتُ أكثر من الكلام.

2
بعد أسابيع قليلة من خروجه من السودان التقى السيد الصادق المهدي بالسيد محمد عثمان الميرغني في القاهرة في بداية عام 1997. كان واضحاً أن فصلاً جديداً في تاريخ التجمّع الوطني الديمقراطي قد بدأ على التو، وأن الصراعات القديمة بين السيد الصادق المهدي من جهة، وبين السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق من الجهة الأخرى، قد عادت إلى الواجهة، ولكن خارج السودان هذه المرّة.
بدأ السيد الصادق المهدي يشير إلى نفسه بلقب رئيس الوزراء المُنْتخب، وعَقَدَ مؤتمراتٍ صحفية وكتب مقالاتٍ، وأصدر تصريحاتٍ وبياناتٍ تحمل تلك الصفة. ثم بدأ السيد الصادق جولةً مكوكيةً شملت دولاً عربية وأفريقية وأوروبية تحت مظلة وضعه الدستوري ذاك قبل انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في السودان في 30 يونيو عام 1989. 

3
كانت أهم البيانات التي أصدرها السيد الصادق المهدي هي رسالته التي وجّهها إلى القوات المسلحة السودانية في أول فبراير عام 1997، بوصفه رئيس الوزراء المنتخب، وسمّاها نداء الوطن، وطالب فيها قيادات الجيش بالانحياز لجانب الشعب والتحرّك للإطاحة بنظام الجبهة القومية الإسلامية الفاسد. 

وفي مارس عام 1997 أصدر السيد الصادق المهدي نداءه للشباب السوداني بالهجرة شرقاً إلى إريتريا لينخرطوا في معسكرات التدريب ويساهموا في مهمة إسقاط النظام، وهو ما عُرِف بـ “نداء الهجرة.” ولكن الاستجابة كانت ضعيفةً للغاية للنداء الثاني، بينما لم يعِرْ أحدٌ في القوات المسلحة انتباهاً للنداء الأول. 

في نفس ذلك الشهر التقى السيد الصادق المهدي بالدكتور لام أكول في نيروبي لعدة ساعات. كانت تلك أول مرة يلتقي فيها أحد قادة المعارضة الشمالية بأحد قادة الفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية الأم. بالطبع لم يُرضِ ذلك اللقاء قيادات الحركة الشعبية الأم وساهم في توسيع شقة الخلاف بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق. 

وكان التجمّع الوطني الديمقراطي قد رفض في بداية عام 1996 طلباً من الدكتور رياك مشار بالانضمام للتجمع الوطني الديمقراطي. وقد كان السبب الرئيسي لذلك الرفض هو معرفة قادة التجمّع من الأحزاب الشمالية أن الدكتور قرنق وقيادات الحركة الشعبية سوف لن يسمحوا حتى بمناقشة ذلك الطلب.

4
وضح لأعضاء التجمّع وللمراقبين مع بداية عام 1997 أنه قد أصبحت هناك قيادتان للمعارضة خارج السودان، تتنافسان في كلِّ شيء، بما في ذلك الإدلاء بالتصريحات الصحفية، وإصدار التوجيهات إلى جهاتٍ داخل السودان، واللقاء بالمسئولين الأجانب والتحدّث إليهم باسم المعارضة السودانية. 

استند السيد الصادق المهدي على شرعية انتخابه عام 1986 رئيساً للوزراء، وكأنّ لسان حاله يقول “إذا حضر الماء بطل التيمّم.” من الجانب الآخر استند السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق على شرعية خيار أحزاب وتنظيمات المعارضة مجتمعةً، بما فيها حزب الأمة نفسه، في اجتماع أسمرا في يونيو 1995. 

5
غير أن دعوات وبرامج السيد الصادق المهدي الداعية إلى إسقاط النظام سرعان ما تغيّرت وحلَّ مكانها الحديث عن الحلِّ السياسي. ويبدو أن إهمال القوات المسلحة لندائه، وضعف الاستجابة لنداء الهجرة من أنصاره، كانا من ضمن الأسباب الرئيسية لذلك، رغم أنه حاول أن يعزي ذلك إلى تغييرٍ في نظام الإنقاذ. 

فقد كتب السيد الصادق المهدي: “في عام 1997 لاحظنا تغيراً في لغة النظام ظهر في قبوله المتأخر بإعلان مبادئ الإيقاد، قبوله بالمواطنة كأساس للحقوق الدستورية، تبنّيه لبعض مقررات أسمرا عام 1995 خاصةً مبدأ تقرير المصير للجنوب، ثم تعيين لجنة قومية للدستور للقيام بكتابة مسودة لدستور يكفل التعددية السياسية. إن توسيع هامش المعارضة السياسية الداخلية، وانكماش فرص العمل العسكري، والمخاوف من أخطار أجندة التدويل الخبيث وخطر البلقنة الداهم، كل ذلك أقنعنا بالتحرك السريع بحثاً عن حلٍ سياسيٍ شامل مهدّت له الظروف الجديدة.” 

وواصل السيد الصادق المهدي سرد الأسباب التي دفعته إلى ذلك التغيير السريع المفاجئ نحو الحل السياسي، مضيفاً: “لقد رأينا في حزب الأمة، وبدءاً بمايو 1998 والأحداث التي قادت إلى حرب القرن الأفريقي وحرب البحيرات العظمى، أن خارطة إقليمنا الجغسياسي (الجغرافي – السياسي؟) بدأت تتشكّل بصورةٍ جديدة تفتح الباب لتحالفاتٍ لم تكن متوقّعة من قبل، وأنذر ذلك حسب تحليلنا بزوال مساحة الدعم العسكري واللوجستي التي كنا نتمتع بها حتى ذلك الوقت.” 

فجأةً أصبح الحلُّ السياسي وليس إسقاط النظام هو البرنامج الجديد لحزب الأمة فيما يتعلّق بالعلاقة مع حكومة الإنقاذ، وفي زمنٍ وجيز بعد خروج السيد الصادق المهدي من السودان، وبسرعةٍ فائقة. 

6
أما بالنسبة لعلاقة الحزب مع التجمّع الوطني الديمقراطي فقد أوضح السيد الصادق المهدي: “في مارس عام 1997 اقترحنا برنامجاً نفيرياً من عشر نقاط لاستصحاب الإنجازات العسكرية واقترحنا مجموعة عمل لتحقيقه. أقر (التجمّع) برنامج نفيري ولكن دون إقرار مجموعة العمل، والنتيجة: لم يفعل أحدٌ شيئاً. في فبراير 1998 انتقد مؤتمر حزب الأمة الرابع هياكل التجمّع وأداءه. وكتبنا مذكرة موسّعة ساقت إنجازات الماضي وإعاقات الحاضر، واقترحنا برنامجاً إصلاحياً لإعادة هيكلة التنظيم وتوسيعه وتفعيله ولكن بدون جدوى! وبعد عدة محاولات فاشلة لإصلاح التجمّع وتفعيله قرّرنا أن نحرّر أنفسنا من ذلك الموات.” 

7

كان “التحرّر من ذلك الموات” الذي عناه السيد الصادق المهدي هو اتخاذ ما يراه من القرارات دون الرجوع، أو التقيّد، بقرارات التجمّع الوطني الديمقراطي. وقد اكتمل ذلك “التحرّر” في عام 1999 عندما قرّر حزب الأمة الخروج إلى العلن باتصالاته بحكومة الإنقاذ. 

فقد التقى السيد الصادق المهدي في الأول والثاني من مايو عام 1999 بالدكتور حسن الترابي، والذي كان حتى ذلك الوقت الحاكم الفعلي والحقيقي للسودان، في مدينة جنيف في سويسرا. ورغم أن اللقاء دام يومين، إلا أنه لم يصدر أي اتفاقٍ أو بيانٍ مشترك. 

أصدر الدكتور عمر نور الدائم الأمين العام لحزب الأمة بياناً في الثالث من مايو أكّد فيه اللقاء، وأوضح أن السودان في خطرٍ عظيم، والشعب السوداني يعاني شقاءً لا مثيل له، وأن البلاد معرّضة لخطر التمزق والتدويل، مما دفع الحزب إلى البحث عن كل الوسائل وكل الخيارات للأخذ بيد البلاد. أوضح البيان أنه قد جرى حوارٌ صريح أدلى فيه كلٌ برأيه حول القضايا السودانية محل النزاع، وأن نتيجة الحوار السياسي كان العمل للاتفاق على أجندة وآلية بهدف الوصول لاتفاقٍ سياسيٍ سودانيٍ يحسم كافة المسائل الوطنية المتنازع عليها. أشار البيان إلى أن الجانبين التزما بإجراء مشاوراتٍ واسعة لأخذ رأي كل أطراف المعارضة والنظام، واتفقا أن نتيجة تلك المشاورات سوف تحدّد الخطوة التالية. 

8
بسبب هذه اللغة الفضفاضة والعموميات فقد اتفق الجميع أن اللقاء كان صفعةً قويةً لوحدة التجمّع ولمقررات أسمرا، كما أنه مثّل فشلاً ذريعاً للسيد الصادق المهدي الذي لم يخرج من الاجتماع باتفاقٍ مكتوب حتى على هذه العموميات الفضفاضة. وقد كرّر السيد المهدي أن اللقاء نتج عنه “اتفاق شفهي في مايو 1999 لعقد مؤتمر جامع يضم النظام والمعارضة لبحث كافة المسائل المتنازع عليها.” ولا بد للقارئ أن يتساءل كيف يمكن لأيِّ سياسيٍ بتجربة السيد الصادق المهدي الاعتماد على اتفاقٍ شفهي؟ ومع من؟ مع الدكتور حسن الترابي الذي خطّط ونفّذ الانقلاب الذي أطاح بالسيد الصادق المهدي وحكومته ومرحلة الحكم المدني الثالثة؟

9
غير أن لقاء جنيف هذا قد عبّد الطريق بعد ستة أشهر للقاء السيد الصادق المهدي والرئيس عمر البشير في جيبوتي في 25 نوفمبر عام 1999. رافق السيد الصادق المهدي السيد مبارك الفاضل المهدي، والدكتور صديق بولاد. ورافق الرئيس البشير السادة مصطفى عثمان إسماعيل، ونافع علي نافع، وعبد الباسط سبدرات، والدكتور لام أكول (الذي كان قد انضم إلى السلام من الداخل بتوقيعه على اتفاق فشودة مع حكومة الإنقاذ، وأصبح وزيراً في الحكومة المركزية). وقّع الطرفان في نهاية اليوم الثاني للقاء على اتفاقٍ تمّت تسميته “نداء الوطن” ويُشار إليه أيضاً “باتفاق جيبوتي.” 

كان الاتفاق مليئاً بالعبارات المنتفخة، والكلمات الفضفاضة، والوعود المبهمة. أشار الاتفاق إلى عدّة مبادئ من بينها أن تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات الدستورية، وألا تنال أيّة مجموعة وطنية امتيازًا بسبب انتمائها الديني أو الثقافي أو العرقي، مع الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والعرقية في السودان، وأن تُراعى المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وتكون مُلْزِمة. كما نصّ الاتفاق على المشاركة العادلة في السلطة بكافة مستوياتها واقتسامٍ عادل للثروة، وإزالة آثار الحرب الأهلية، وبناء الثقة بين أهل السودان بما يفضي للوحدة الطوعية. 

أشار الاتفاق إلى إكمال هذه الإجراءات في فترةٍ انتقالية قدرها أربعة أعوام يُسْتفتي جنوب البلاد بحدوده عام 1956 في نهايتها ليختار بين وحدةٍ طوعية بسلطاتٍ لامركزية يتم الاتفاق عليها، أو الانفصال. 

10

التزم الطرفان بموجب الاتفاق على العمل على إنجاح المبادرة الليبية المصرية والإسراع بعقد المؤتمر الجامع الذي دعت له المبادرة في أقرب فرصة، مع التأكيد على دعم مبادرة الإيقاد كمبادرةٍ من دول الجوار المعنية بالشأن السوداني، على أن يتم التنسيق بين المبادرتين من خلال الحوار السوداني. ناشد الطرفان كافة القوى السياسية تأييد ذلك الاتفاق للحل السياسي الشامل والانضمام إليه ودفعه لتحقيق الوحدة والسلام والوفاق. كما ناشد كافة الأشقاء والأصدقاء ودول الجوار دعم وتحقيق الوفاق الوطني السوداني. 

وقّع على الاتفاق السيد مبارك الفاضل المهدي الذي كان وقتها أمين العلاقات الخارجية بحزب الأمة، وكان أيضاً الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، والدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية السوداني. وقد اختتم الاتفاق بالشكر لفخامة الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي على مبادرته الكريمة، وعلى استضافته اللقاء وجهوده المقدرة لإتمام ذاك الوفاق.

11
أهم ما يمكن أن يقال عن اتفاق جيبوتي أنه أول اتفاقٍ بين طرفين شماليين يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فلا الحركة الشعبية ولا أيٌّ من الفصائل المنشقّة عنها كانت طرفاً في ذلك الاتفاق. وقد حدّد الاتفاق الفترة الانتقالية بأربعة أعوام، ونصَّ صراحةً على خياري الوحدة الطوعية والانفصال. ولكن كان واضحاً أن مشاكل الاتفاق الأخرى قد طغت على هذه المسالة فمرّت دون أن يعير أحدٌ أيَّ انتباهٍ لحق تقرير المصير في اتفاق جيبوتي. وقد يكون السبب الآخر أن حق تقرير المصير لم يعد بذاك الوقت مسألةً يحتاج أيُّ سياسيٍ سوداني إلى التوقّف عندها. فقد قَبِلَ جميعُ السياسيين وأحزابُهم، بلا استثناء، ذلك المطلب. 

12
كانت ردّة فعل بقية أحزاب التجمّع الوطني الديمقراطي لاتفاق جيبوتي سريعةً وغاضبة. فقد عقد قادة التجمّع الآخرون اجتماعاً تشاورياً لهيئة القيادة والمكتب التنفيذي في 28 نوفمبر عام 1999بدار الحزب الاتحادي الديمقراطي بالقاهرة، بعد أقل من ثلاثة أيام من لقاء جيبوتي. وقد أجمع المجتمعون على رفض اتفاق جيبوتي شكلاً ومضموناً باعتباره يُشكّل خروجاً صريحاً على مواثيق التجمّع الوطني الديمقراطي ومقررات مؤتمر القضايا المصيرية – أسمرا يونيو عام 1995 – ولا سيما فيما يتعلّق بقضية الحرب والسلام، وعلاقة الدين بالسياسة، وتفكيك دولة الحزب الواحد، ومحاسبة النظام في جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان. 

أضاف البيان الصادر من ذلك الاجتماع أن الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي السيد مبارك الفاضل المهدي لم يعد يمثّل إرادة التجمّع بعد توقيعه على الاتفاق، وأوصوا بتجميد صلاحياته كأمينٍ عام إلى حين انعقاد اجتماع هيئة قيادة التجمّع الذي تقرّر أن يتم في كمبالا – يوغندا – في 6 ديسمبر عام 1999. 

13
التأم اجتماع هيئة قيادة التجمّع كما كان مقرراً له في كمبالا، وخاطبه الدكتور جون قرنق في 7 ديسمبر عام 1999 بكلمة مطوّلة. كان واضحاً أن الدكتور قرنق نفسه كان في وضعٍ حرج. فقد كان عليه أن يُفرّق بين لقاءاته ومفاوضاته مع نظام الإنقاذ من جهة، وبين مفاوضات واتفاق جيبوتي بين نظام الإنقاذ وحزب الأمة من الجهة الأخرى، فهناك أوجه شبهٍ كثيرة وكبيرة بين الاثنين.
كما كان على الدكتور قرنق أيضاً أن يوضّح كيفية التعامل مع المبادرة الليبية المصرية والتي كان التجمّع الوطني الديمقراطي قد أيّدها وقرّر الالتزام بها، وطالب بالتنسيق بينها وبين مبادرة الإيقاد. وكان ذلك هو أيضاً ما فعله ونادى به حزب الأمة، وكذلك حكومة الإنقاذ. وكما سنناقش لاحقاً، فقد نادت المبادرة الليبية المصرية فقط بعقد مؤتمرٍ جامعٍ لكل أطراف النزاع السوداني، ولم تتعرّض لمسألتي حق تقرير المصير وعلمانية الدولة السودانية، كما فعلت مبادرة الإيقاد. 

14
كرّر الدكتور قرنق في كلمته في لقاء التجمع في كمبالا أن “الحد الأدنى من الاتفاق الذي يربط بين أطراف التجمّع هو إزالة نظام حكم الجبهة القومية الإسلامية وإحلال حكومة انتقالية من التجمّع الوطني الديمقراطي لتقود البلاد نحو الديمقراطية والسلام والسودان الجديد.”
أما بالنسبة للمبادرة الليبية المصرية فقد أوضح الدكتور قرنق أنه من الضروري تجنّب المبادرات المتوازية لأنها تقود إلى الانقسام، والإبقاء على مبادرة الإيقاد، مع ضمِّ ليبيا ومصر إليها. 

أما فيما يتعلّق بمشاركة التجمّع في مفاوضات الإيقاد، فقد تفتّقت عقلية الدكتور جون قرنق عن فكرةٍ تُشرِك التجمّع ولا تُشرِكه في نفس الوقت حين اقترح: “ويمكن للتجمع الوطني الديمقراطي تكوين لجنة فنية لشرح موقفه وعكس وجهة نظره، الشيء الذي يمكن لوفد الحركة أن يتبناه ضمن عرضه في مباحثات الإيقاد التي يخوضها. بالإضافة لهذا فإن وفد الحركة الشعبية يمكن أن يشمل بعض أعضاء التجمّع كبوتقة تفكير مساندة ضمن الفريق الفني المساعد لوفد الحركة الذي يصحب الحركة عادةً في هذه المباحثات. وهذا عين ما تفعله الحكومة السودانية لإشراك حلفائها في المحادثات مثل رياك مشار في فريق الحكومة الفني المساند للوفد. ويمكن للحركة القيام بنفس الشيء.”

15
وصف الدكتور قرنق اتفاق جيبوتي بأنه محاولة تحالفٍ واضحة بين حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية في اتجاهٍ عرقيٍ وديني، وسيُحدث مزيداً من الاستقطاب في السودان، وأنه امتدادٌ لمفهوم السلام من الداخل، وطالب برفضه جملةً وتفصيلاً. ذكّر الدكتور قرنق المجتمعين أن الحركة الشعبية منتدبةٌ من قبل التجمّع لتكون الفصيل الوحيد المسموح له بإجراء مفاوضات مع نظام الجبهة منفرداً. أشار إلى أن مخاوف حزب الأمة غير المبرّرة من تدويل مشكلة جنوب السودان، والتدخّل الاجنبي في السودان قد أوصلته لارتكاب خطأ فادح في حق جهود التجمّع المشتركة لإزالة النظام.

16
حاول الدكتور قرنق تبرير انفراد الحركة الشعبية بالتفاوض مع حكومة الإنقاذ، ولكن دفعه كان مرتبكاً. ولكن كان الأسوأ من ذلك تشبيهه علاقة الحركة الشعبية ببقية أحزاب وتنظيمات التجمّع، بعلاقة الحكومة بالفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية. من المؤكّد أن ذلك التشبيه قد قلّل كثيراً من مكانة ومصداقية أصدقائه وحلفائه في التجمّع. لكن يبدو أنها كانت لحظةَ صدقٍ نادرة. وقد أضحى واضحاً أن مقترحه لطريقة مشاركة التجمّع في مفاوضات الإيقاد قد أحبط أصدقاءه وحلفاءه في التجمّع. لكن هل كان لدى هؤلاء الحلفاء أيّة خياراتٍ أخرى؟ 

17
أصدرت هيئة القيادة في نهاية اجتماع كمبالا بياناً أعلنت فيه أن الاتفاق المسمّى بنداء الوطن والصادر في جيبوتي في 25 نوفمبر عام 1999 مرفوضٌ لأنه لا يشكّل إطاراً شاملاً لحل مشاكل السودان، ويمثل خرقاً واضحاً لمقررات أسمرا. 

وقد مثّل اتفاق جيبوتي وقرارات اجتماع كمبالا النهاية العملية لعلاقة حزب الأمة بالتجمّع الوطني الديمقراطي، وأعادا فتح باب الخلافات القديمة بين الحركة الشعبية ورئيسها الدكتور جون قرنق، وحزب الأمة ورئيسه السيد الصادق المهدي. وكما أوضحنا في مقالاتٍ سابقة، فقد برزت تلك الخلافات للعلن في يوليو عام 1986 عندما التقى الزعيمان في أديس أبابا، وانتهى الاجتماع حتى دون مصافحة الوداع. 

كما انطوت بذلك صفحة التصالح بين حزب الأمة والحركة الشعبية التي قادها السيدان مبارك الفاضل المهدي وعمر نور الدائم. وكان ذلك التصالح قد برز في ذروته في زيارتهما مقر الحركة الشعبية في شقدوم في جنوب السودان، وإقامتهما في ضيافة الحركة لعدّة أيام، وتوقيع حزب الأمة والحركة اتفاق شقدوم في يوليو عام 1994، ثم توقيع حزب الأمة إعلان أسمرا في يونيو عام 1995. 

18
انتهت تلك الحقبة التصالحية بين حزب الأمة والحركة الشعبية، وبدأت مرحلةٌ جديدة يمكن تسميتها مرحلة “حرب الرسائل” بين السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة، والدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية. 

وقد بدأتْ حربُ الرسائلِ تلك بخطاب الدكتور جون قرنق في مؤتمر كمبالا في 7 ديسمبر عام 1999، وتواصلتْ لقرابة الأربعة أشهر، كما سنناقش في المقال القادم.

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن