مملكة نوباتيا النوبية

مملكة نوباتيا النوبية

مملكة نوباتيا النوبية :

تمتد مملكة نوباطيا شمالاً من جنوب الشلال الأول (جنوبي أسوان)، و حتى حدود جارتها الجنوبية مملكة المقرة، و قيل عند قرية عكاشة (انظر: مصطفى مسعد – الإسلام و النوبة: ص76)، و قد ورد في بعض المدونات التاريخية أوصاف هذه المملكة التي أطلق عليها العرب اسم (المريس). و قد كانت عاصمتها (فَرَس – Pakhoras)، أو (نجراش / بجراس) في تسمية أخرى.

أما بخصوص أصل تسمية (نوباطيا) أو (نوباديا / نوباتيا)، فإنما هو يرجع لشعب النوباطي، و هو أحد شعوب وادي النيل القديمة، و قد كان منشأها بالجهات الغربية لنهر النيل، و قد تحدثنا باستفاضة في بعض الحلقات الماضية عن العلاقة التاريخية و السلالية التي جمعت بين سكان وادي النيل القدماء و المنطقة الواقعة غربيها في مناطق كردفان و دارفور و الواحات الغربية، و هي مناطق تشكل امتداداً للصحراء الكبرى، و نريد أن ننقل بعض الفقرات من بحث الدكتور أحمد إلياس حسين القيم الذي تحدث فيه عن أصول قسم كبير من سكان السودان، و قد قدم عرضاً مفصلاً عن تاريخ النوباط و نشأة مملكة نوباطيا، يقول د. أحمد إلياس بخصوص هجرة شعب النوباط إلى المناطق المحاذية لنهر النيل:

“تحرك النوبا من صحراء الواحة الخارجة”
وهنالك تحرك سكاني، آخر من الصحراء الغربية نحو النيل جنوبي أسوان، حدث هذا التحرك بتشجيع من الرومان الذين خاضوا صراعات دائمة على حدودهم الجنوبية مع القبائل الصحراوية المشهورة باسم البربر. واستقدم الرومان الجمال إلى الصحراء الكبرى لمطاردة تلك القبائل، غير أن قبائل الصحراء أخذت عنهم استخدام الجمال الذي بدأ يحل محل الحصان في الصحراء التي كانت حتى ذلك الوقت صالحة لاستخدامه كما توضح رسومات الخيل الواسعة الانتشار في الصحراء. وأصبح الجمل وسيلة المواصلات الأولى في الصحراء، واستخدمته القبائل للهجوم على الرومان.

وكان الرومان في مصر في القرن الثالث الميلادي إلى جانب مواجهتهم خطر القبائل الصحراوية على حدودهم الجنوبية في مناطق الواحات المصرية، كذلك كانوا يواجهون خطر البليميين (البجة)على حدودهم جنوبي اسوان حيث قام الرومان بتوجيه عدة حملات ضدهم. وللحد من خطر البليميين فكر الرومان في الاستعانة بإحدى القبائل الصحرواية المجاورة والتي كانت تهدد حدودهم في مناطق الواحات، فقدموا لها عرضا سخيا وهو السماح لهم بالاستقرار على النيل في منطقة الحدود الرومانية في جنوب مصر لكي يكونوا حاجزا بينهم وبين البليميين من جانب ويتخلصون من شر غاراتهم بعد الاستقرار على النيل من جانب آخر، فيضربون عصفورين بحجر واحد.

وبالطبع وافقت القبيلة الصحراوية بهذا العرض. وذكر المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس (توفى حول 565م) كما ورد عند كل ماكمايكل (ج 1 ص 24) وآركل (ص 178) أن الاتفاق تم بين الرومان وقبيلة النوباتي “Noβαtaι” في عام 297م للقدوم من الواحة الخارجة والاستقرار على النيل جنوبي أسوان بينهم وبين البليميين وقد كُتِب اسم تلك القبيلة الصحراوية في الترجمات الانجليزية Nobatae وكُتب بالعربية النوباتيين أو النوباطيين.

وقد اتفق المؤرخون أن النوباتيين أتوا من الصحراء الغربية سواء من منطقة الواحة الخارجة المقابلة لصعيد مصر شمال غربي مدينة أسوان، أو من المناطق الصحراوية الواقعة جنوبيها. ويرى بدج كما ذكر ماكمايكل (ج 1 ص 25) أن النوباتي قبيلة بدوية قوية، كان موطنها الأصلي في القرن الثالث الميلادي كردفان ودارفور، وعندما استدعاهم الرومان كانوا قد انتشروا شمالاً حتى الواحة الخارجة. فهم بذلك نفس سلالة النوبا الذين رأينا وجودهم في منطقة كردفان ودارفور قبل القرن الثالث قبل الميلاد، ويحملون نفس الاسم تقريباً. وهم نفس سلالة النوبا الذين انتشروا في مملكة مروي كما في نقش عيزانا.

ويبدو انتشار قبيلة النوباتيين على طول المنطقة ما بين كردفان ودارفور والواحة الخارجة مقبولا، أولاً لأن اسم النوباتي أو النوبا هو اسم عام يضم سكان المنطقة كلها فيصدق على القبائل في دارفور أو كردفان أو المناطق الشمالية حتى الواحة الخارجة. وثانياً كانت تلك المناطق في ذلك الوقت لا تزال تتمتع بقدر معقول من المطر والمياه الجوفية والسطحية مما وفر وسائل الحياة والتجول. وثالثاً لا تزال صلات سكان النيل حتى العصر الحديث قوية بالمناطق الغربية ويتضح ذلك في تراث بعض القبائل في المنطقة والذي ربط تحركاتهم من النيل مثل تراث قبائل القرعان والتبو والتنجر.” ا.هـ.
(انظر سلسلة مقالات “حول أصول سكان السودان”، د. أحمد إلياس حسين، حلقة 14، صحيفة سودانايل الإلكترونية)

ذات الأمر في هجرة النوباط يذكره الأستاذ د. بركات موسى الحواتي، إذ قال في مقالة له بعنوان (إنسان الرقعة):
“ويشير المؤرخون كذلك مثل بروكوبيوس “545م” وغيره من الباحثين السريان إلى مجموعة أخرى، استقرت في الرقعة –النوبية-، دخلتها من واحات شمال أفريقيا، بالتحديد من الواحة الخارجة، عرفت باسم النوباط عندما قام الإمبراطور الروماني دقلد يانوس “204 ـ 305م” بتهجيرها من موطنها من الواحات الغربية “الخارجة” لتسكن في المنطقة الواقعة جنوب الشلال الأول، لتكون حاجزاً بشرياً يؤمن حدود مصر الجنوبية، ضد غزوات البجة المتكررة، ولعل مما يرجح ذلك أن لغة “الفاديجا” تكاد تطابق لغة الجوشان والشلح وجزر الخالدان في شمال إفريقيا، ويبدو في اسم “البرابرة” الذي يطلق على الفاديجا بصورة خاصة، ما يشير إلى ذلك الواقع القديم ليتيح ذلك الاستطراد، إمكان استنتاج أن النوبة المعاصرين نتاج للنوباي و النوباط، بسيطرة سياسية وعسكرية من هؤلاء الأخيرين.” ا.هـ.
(انظر: مقالة “إنسان الرقعة” – دراسات في الذاتية السودانية، د. بركات موسى الحواتي)

ويشير المؤرخ ب . ل . شتى في كتابه بلاد النوبة في العصور الوسطى صـ( 2 )
ولكن التشابه والتقارب الشديدين بين بعض اللغات في جبال النوبة ( جبل ميدوب ) في أقصى الغرب وبين اللغة التى نجدها عند النوبيين الذين يسكنون على ضفاف النيل ، يشيران على انهم جاءوا من الغرب والجنوب الغربي ، ومن الجدير بالاعتبار أن الكتابة التي تركهما عيزانا ( Aezanes ) الملك الأكسومي في سنة 350م تتحدث عن من سماهم النوبة في مروى ، ويمكن ان يكون هذا إشارة إلى النوبيين ، وإذا كان الأمر كذلك فيكون هذا أول ظهورهم في التاريخ ثم أن دقلديانوس (Dioclctia) الإمبراطور الروماني قد جمع من واحات صحراء الغربية سنة 297م أناساً كانوا يعرفون بنوبات (Nobatac ) لحماية الحدود الجنوبية لإمبراطوريته عند أسوان من غارات البليميين (Blemmye ) الذين كانوا في الغالب هم البجة الذين سكنوا جبال البحر الأحمر ا.هـ.

فالخلاصة أن أصل شعب النوباط يرجع لمنطقة الواحات غرب النيل، و قد كان أول من اشتهر منهم و قام بتأسيس المملكة هو الملك سلكو، الذي أسس الدولة عام 530م (انظر الإسلام و النوبة – د. مسعد: ص71).

و قد بدأت النصرانية بالانتشار في حوالي القرن السادس الميلادي، مستمدة تأثيرها من الوجود النصراني الآتي من مصر في الشمال، و قد كان المذهب الذي ساد في نوباطيا تلك الفترة هو مذهب الكنيسة المصرية (اليعقوبي)، و هذا بعكس المذهب الملكاني الذي انتشر في مملكة المقرة الجنوبية قبل أن ينتشر اليعقوبي في تلك الأرجاء أيضاً.

أما اللغة المستعملة في نوباطيا، فهي اللغة النوبية، و لكن بلهجة مختلفة عن اللهجات النوبية الأخرى، و لقد أشرنا لذلك في موضوعنا الأول عن ملوك المقرة، و قلنا أن هناك فرقاً في اللهجات النوبية بين منطقة و أخرى، و يذكر المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، يقول في التفريق بين ألسنة النوبة (1/240)، و ذلك نقلاً عن ابن سليم الأسواني: “اعلم أنّ النوبة والمقرة جنسان بلسانين، كلاهما على النيل”. ا.هـ.

و قلنا أن المقريزي لعله أراد بالنوبة من يقطنون شمال النوبة و المسماة بأرض المريس (أو نوباطيا)، أما المقرة، فهم أهل منطقة دنقلة، و حالياً فإن لهجة (الفاديجا) التي يتكلم بها أهل المريس، تختلف اختلافاً نسبياً عن لهجة جيرانهم الدناقلة جنوبهم.

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن