مشروع الجزيرة (كامل التفاصيل) – تاريخ وسياق نظام الرّي في مشروع الجزيرة

مشروع الجزيرة

مشروع الجزيرة (1)
تاريخ وسياق نظام الرّي في مشروع الجزيرة

هل الرّي بالمشروع تكميليٌّ للأمطار حقاً؟

بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

(1)نقلت جريدة التيّار في عدد الاثنين 24 أكتوبر 2011م تصريحاتٍ للسيد عثمان سمساعة المدير العام لمشروع الجزيرة والمناقل عن الموسم الزراعي الحالي أوضح فيها أن المساحات المتأثرة بنقص المياه لم تتجاوز الـ 5% من جملة المساحات المزروعة والتي تفوق المليون فدان في العروة الصيفية لهذا الموسم، مبيّناً “أن اختناقات االرّي تم حصرها في المواقع التي تواجه مشاكل مزمنة وموروثة تاريخياً من مشروع الجزيرة.” وأضاف السيد سمساعة أن “ري مشروع الجزيرة يعتبر رياً تكميلياً يعتمد على الأمطار حسب تصميمه.”

وكان السيد عباس الترابي رئيس اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل قد أدلى بتصريحاتٍ مماثلة لجريد الرأي العام نُشِرت في عدد يوم الأربعاء 12 أكتوبر 2011م أقر فيها السيد الترابي بتأثّر بعض المساحات المزروعة ببعض أقسام مشروع الجزيرة بالعطش، والذي وصفه بأنه موسمي ودائماً ما يتعرض له المشروع في شهر سبتمبر وحتى بداية أكتوبر من كل عام نتيجة للطلب المتزايد على رىّ المحاصيل الصيفية في هذه الفترة وشحّ الأمطار. وأشارت الجريدة إلى أن السيد الترابي نوّه “إلى أن نظام الري بمشروع الجزيرة صمم على انه ري تكميلي بحيث تهطل أمطار بكميات كبيرة خلال العام بمعدل (50) ملمترا، ويتم بعدها الري التكميلي وأردفولكن هذا العام لم تهطل أمطار بمشروع الجزيرة بهذه المعدلات ولذلك تأثرت المساحات المزروعة وازداد الطلب على المياه.(”
القول بأنّ الرّي بمشروع الجزيرة هو تكميليٌّ للأمطار لا يتفق مع الأساسيات التي بُني عليها المشروع، ومع التطورات التي مرّ بها خلال المائة عامٍ الماضية، منذ أن بدأت تجربة زراعة القطن في منطقة طيبة بالجزيرة عام 1912م. سنتعرّض في هذا المقال إلى موضوع الرّي في مشروع الجزيرة ونوضّح أن المشروع قام أساساً على الرّي من مياه النيل، وأنه لم يكنْ في اعتبار القائمين على أمر المشروع في فترة الحكم الثنائي في السودان أو في فترة الحكم الوطني مسألة تكملة الرّي من النيل بالأمطار، دعك من تكملة الأمطار بالرّي من النيل في المشروع.
(2)بدأت تجربة زراعة القطن في بداية فترة الحكم الثنائي في منطقة الزيداب بشمال السودان. وبعد فشل التجربة هناك حاولت إدارة الحكم الثنائي زراعة القطن في منطقة القاش وطوكر بشرق السودان، ولكن لم يُكتب النجاح لهذه التجربة أيضاً. وفي عام 1911م اتجهت أنظار إدارة الحكم الثنائي نحو الجزيرة. بدأت التجربة بواسطة شركة السودان الزراعية وذلك بزراعة 250 فدان في منطقة طيبة لتُروى بالرّي الصناعي عن طريق الطلمبات، وليس بالأمطار. أدّى نجاح هذه التجربة إلى زيادة تدريجية في الرقعة الممنوحة من الأرض لشركة السودان الزراعية. وقد تضافرت عوامل كثيرة في نجاح التجربة ومن ثَمَّ ميلاد وتطور مشروع الجزيرة. وأهم هذه العوامل هي:
1- وقوع منطقة الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض ساعد وأدّى إلى بناء السدود وتنظيم وتوسيع عملية الرّي بالمشروع من النيل الأزرق.
2- طبيعة الأرض المنبسطة تعني أن مشروع الجزيرة المقترح يمكن ريّه عن طريق الرّي الانسيابي الطبيعي، وهذا يُشير بدوره إلى أن تكلفة عملية الرّي ستكون قليلةً جداً مقارنةً بالرّي الصناعي.
كان هذان العاملان السببين الرئيسيين لبدء ونجاح مشروع الجزيرة. بالطبع تضافرت عوامل أخرى على نجاح التجربة منها خصوبة التربة والتي قلّلت من الاعتماد على السماد والمخصّبات، كما أن طبيعة التربة وتماسكها قلّلا من تسرب المياه وساعدا على بقائها لري القطن، كما أنه كانت للسكان هناك خبرةٌ حيث مارس معظمهم الزراعة المطريّة. ثم إن موقع الجزيرة في وسط السودان سهّل من هجرة مزارعين آخرين وكذلك عمال موسميين إليها، كما سهّل أيضاً الوصول إليها من الخرطوم، ونقل القطن منها إلى بورتسودان ومن هناك بحراً إلى مصانع الغزل والنسيج في لانكشير. لكنّ هذه كانت عوامل ثانوية مكمّلةً للعاملين الأولين.

(3)بعد موسمين من بدأ تجربة طيبة في عام 1911م، اقتنعت إدارة الحكم الثنائي في السودان بنجاح تجربة زراعة القطن في منطقة الجزيرة. شرعت الإدارة في التفاوض مع لندن والقاهرة لأجل إكمال إنشاء المشروع، وتركّز التفاوض على مسألتين أساسيتين تتعلقان بالرّي، الأولى ضرورة الحصول على قرضٍ من لندن وذلك لبناء خزان سنار من أجل ريّ المشروع ومن ثمّ التوسع فيه. والثانية هي التفاوض مع القاهرة من أجل الحصول على موافقتها لبناء خزان سنار على النيل الأزرق لتأمين كمية المياه التي سيحتاجها السودان لريّ مشروع الجزيرة.
عليه فقد كان ريّ المشروع من مياه النيل، وليس من الأمطار، هو الهاجس الأساسي الذي شغل إدارة الحكم الثنائي في الخرطوم في ذلك الوقت بغرض بدء العمل في مشروع الجزيرة والتوسّع فيه.
فيما يخص المسألة الأولى وافقت لندن بعد مفاوضاتٍ طويلةٍ على منح الخرطوم قرضاً بمبلغ ثلاثة مليون جنيه إسترليني وهي تكلفة بناء الخزان، إلّا أن الحرب العالمية الأولى أوقفت التحضيرات لبنائه، ولم يبدأ العمل فيه إلّا بعد انتهائها. اكتمل العمل في الخزان في عام 1925م، وهو التاريخ الرسمي لبداية مشروع الجزيرة.
أما فيما يخص المسألة الثانية فقد وافقت مصر على بدء العمل في مشروع الجزيرة وبناء خزان سنار شريطة ألّا تتجاوز مساحة الأرض المرويّة 300,000 فدان (ثلاثمائة ألف فدان). وكفل الاتفاق لمصر حق بناء خزان جبل أولياء لتعويضها عن مياه خزان سنار التي سيستخدمها المشروع. وهنا يبقى من الضروري الإشارة إلى أن بدء الرّي في مشروع الجزيرة وكذلك كل أطوار التوسع في الرقعة المروية فيه، اعتمدت اعتماداً كاملاً على موافقة مصر بسبب إصرار مصر على ألاّ يتسبّب مشروع الجزيرة في أي ضررٍ لمصالحها المائية.
التزمت إدارة الحكم الثنائي بهذه المساحة حتى عام 1929م عندما تم توقيع اتفاقية مياه النيل لعام 1929م والتي ارتفع نصيب السودان بموجبها ليصل إلى أربعة مليار متر مكعب، فيما ارتفع نصيب مصر ليصل إلى 48 مليار متر مكعب. ونتيجةً لازدياد مياه النيل المتاحة للسودان (وليس للأمطار) بدأت الإدارة البريطانية التوسع في المساحة المروية في مشروع الجزيرة. وقد تدرّج التوسع خلال المراحل التالية:
1- في العام 1926م كانت المساحة المرويّة 300,000 فدان.
2- في العام 1929م وصلت المساحة المرويّة إلى 379,000 فدان.
3- في العام 1931م وصلت المساحة إلى 527,000 فدان.
4- في العام 1953م وصلت المساحة المرويّة إلى مليون فدان.
عليه فقد اعتمد قيام مشروع الجزيرة وتوسّعه حتى وصلت مساحته إلى مليون فدان عام 1953 اعتماداً تاماً على الرّي من مياه النيل، وعلى موافقة مصر على كميات المياه التي سوف يستعملها المشروع، ولم يكن للأمطار في منطقة الجزيرة دورٌ ذو بالٍ في قيام المشروع أو التوسّع فيه.

(4) عندما بدأ التفكير في التوسّع في مساحة مشروع الجزيرة من مليون فدان إلى قرابة المليوني فدان بإضافة وريّ امتداد المناقل في بداية خمسينيات القرن الماضي كانت العقبة الأساسية في وجه هذا التوسّع هي مياه الرّي. وقد اقترحت دراسة بيت الخبرة الاسكوتلندي “الاسكندر غيب” التي اكتملت عام 1953م بناء خزان الروصيرص لإمداد المشروع بالمياه الإضافية التي سوف يحتاجها لرّي امتداد المناقل. دخل السودان في مفاوضاتٍ معقدةٍ وشائكة مع مصر بدأت عام 1954م بقيادة السيد ميرغني حمزة وزير الرّي في حكومة السيد إسماعيل الأزهري، واستمرت لخمسة أعوام حتى توقيع اتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر عام 1959م، بعد حوالي العام من وصول الفريق إبراهيم عبود للسلطة في الخرطوم.
وافقت مصر بموجب الاتفاقية على بناء خزان الروصيرص مقابل السدّ العالي، وارتفع نصيب السودان إلى 18,5 مليار متر مكعب مقابل 55,5 متر مكعب لمصر. لقد قدّم السودان الكثير من التنازلات إلى مصر لكي توافقَ مصر على بناء خزان الروصيرص، وليحصلَ السودان على هذا المقدار من المياه، بعد خمس سنواتٍ من التفاوض. فقد وافق السودان على قيام السد العالي، ووافق نتيجة امتداد بحيرة السد العالي في أراضيه ليس فقط على إغراق مدينة وادي حلفا و27 قرية جنوبها وشمالها والتهجير القسري لأكثر من 50,000 من سكان المنطقة، ولكن أيضاً على إغراق قرابة 200,000 فدان من الأراضي الزراعية الخصبة، وقرابة مليون شجرة نخيل وحوامض. كذلك فقد السودان شلالات دال وسمنه التي غرقت في بحيرة السد العالي، والتي كان من الممكن أن تُولّدَ أكثر من 650 ميقاواط من الطاقة الكهربائية، وفقد أيضاً الكثير من الآثار التاريخية والمعادن.
كلّ هذه التنازلات كانت بغرض التوسّع في الرّي في مشروع الجزيرة ليشمل امتداد المناقل ولترتفع المساحة المروية بالمشروع إلى أكثر من مليوني فدان في نهاية ستينيات القرن الماضي. وتُقدّر المساحة في يومنا هذا بحوالي 2,2 مليون فدان. ولو كان ريّ المشروع يعتمد على الأمطار والتي يُكمّلها الرّي فلماذا قدّم السودان كل هذه التنازلات وقام ببناء خزاني سنار والروصيرص وبنية الرّي التحتيّة المكمّلة، بتكلفةٍ فاقت المائتي مليون دولار؟

(5) بدأ العمل في امتداد المناقل بمشروع الجزيرة في منتصف ستينيات القرن الماضي بعد اكتمال العمل في خزان الروصيرص وقنوات الرّي الإضافية في عام 1966م. وفي ذلك العام أصبحت شبكة الرّي في مشروع الجزيرة من أكبر شبكات الرّي في العالم وأكثرها ترابطاً وكفاءةً. وقد كانت تتكون من شبكة ريٍّ إجماليةٍ طولها حوالي 150,680 كيلومتر وتشمل :
*قناتين رئيسيتين طولهما معاً 260 كيلومتر،
*11 قناه فرعية، (تعرف محلياً بـ “الميجر”)، وطولها 650 كيلو متر،
*107 قناة كبرى (وتعرف محلياً بـ “الكنار”) وطولها 1,650 كيلومتر،
*1,570 قناه صغرى (وتعرف محلياً بـ “الترعة”) وطولها 8,120 كيلومتر،
* 29,000 قناة أبو عشرين وطولها 40,000 كيلومتر، وأخيراً
* 350,000 قناة أبو ستّة وطولها يبلغ حوالي 100,000 كيلومتر.
شبكة الرّي لأي مشروعٍ زراعيٍّ هي شرايين الحياة لذلك المشروع. فمثل شرايين أيّ كائنٍ حيٍّ هي الناقل للمياه والرابط الرئيسي لأطراف المشروع بعضها ببعض. كذلك كانت شبكة الرّي بمشروع الجزيرة – تمتد لمئات الآلاف من الكيلومترات، وتمتاز بالكفاءة الكبيرة في الأداء، وبقلّة التكلفة بسبب الرّي الانسيابي الطبيعي. كل ذلك أكسب المشروع وإدارييه البريطانيين، أمثال السيد “آرثر جيتسكِل” والسيد “جورج ريبي”، ومن بعدهم مجموعة من الإداريين السودانيين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي سمعةً عالميّةً طيّبةً. وأصبح مشروع الجزيرة من أكبر المشاريع الزراعية تحت إدارةٍ واحدةٍ في العالم، وأكثرها نجاحاً وإنتاجاً وكفاءةً، وصار موضوعاً جاذباً للدراسات والبحوث والكتب والمقالات ورسالات الدراسات العليا من دبلوماتٍ وماجستيرٍ ودكتوراه في عددٍ كبيرٍ من الجامعات حول العالم.
تبلغ استخدامات مشروع الجزيرة منذ نهاية ستينيات القرن الماضي حوالي ثمانية مليار متر مكعب في العام. وتمثّل هذه الكمية حوالي 40% من نصيب السودان البالغ 18,5 مليار متر مكعب بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وتساوي أكثر من 50% من جملة استخدامات السودان من مياه النيل والتي بلغت في فترةٍ من الفترات حوالي 14 مليار متر مكعب، وتراجعت في السنوات الماضية إلى حوالي 12 مليار متر مكعب.
ظلّت الأمطار تهطل في منطقة الجزيرة ولكن بتناقصٍ من عامٍ إلى آخر بسبب التصحر والتغييرات المناخية. غير أن التخطيط لمشرع الجزيرة وبدء العمل والتوسع فيه اعتمدا اعتماداً كاملاً على الرّي الانسيابي من خلال القنوات المترابطة على امتداد أكثر من مليوني فدان. وتبدأ هذه القنوات من فم خزان سنار عند النيل الأزرق، وتمتد لتصل الحواشات عبر “أبو عشرين” و”أبو ستّة” لتروي القطن والذرة والقمح والحبوب الأخرى وتُمدّ الخير لكل أنحاء السودان، وليس حصراً على منطقة الجزيرة وحدها. ولم يتم أيٌ من ذاك الجهد اعتمادا على الأمطار بأي قدرٍ أو منحىً.
ما الذي حدث لتلك الشرايين وشلّ قدرتها على توصيل المياه إلى الحواشات، وأفقدها الترابط والاستمرارية، وأفقد المشروع كفاءته وإنتاجيته العالية وكينونته ومكانته ليس في العالم بل حتى بين المشاريع الزراعية في السودان؟
هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه في المقالات القادمة.

بالتزامن مع جريدة الأحداث
Salmanmasalman@gmail.com

omer elamin

مشروع الجزيرة: الخلفية التاريخية والملامح الرئيسية ..
بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
الأحد, 27 تشرين2/نوفمبر 2011 19:49

(1) تناولنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات تاريخ وسياق نظام الرّي في مشروع الجزيرة، وأوضحنا أنه قد تضافرت عوامل كثيرة في نجاح التجربة ومن ثَمَّ ميلاد وتطور مشروع الجزيرة. وأهم هذه العوامل هي وقوع منطقة الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض والذي ساعد وأدّى إلى بناء السدود وتنظيم وتوسيع عملية الرّي بالمشروع. العامل الثاني هو طبيعة الأرض المنبسطة التي تعني أن مشروع الجزيرة يمكن ريّه عن طريق الرّي الانسيابي الطبيعي، وهذا يشير بدوره إلى أن تكلفة عملية الرّي ستكون قليلةً جداً مقارنةً بالرّي الصناعي. ناقشنا كيف تمّ التوسع في المشروع لتصل مساحته إلى أكثر من مليوني فدان، وكيف توسعت شبكة الرّي بالمشروع ليصل طولها إلى أكثر من مائةٍ وخمسين ألف كيلومتر، تحمل سنوياً حوالي ثمانية مليار متر مكعب من مياه النيل لريِّ مشروع الجزيرة، وهذه الكمية تمثّل أكثر من 50% من استخدامات السودان من مياه النيل.
أوضحنا في ذلك المقال المفاوضات الشائكة التي دخل فيها السودان والتكلفة الكبيرة والتي فاقت المائتي مليون دولار لبناء خزاني سنار والروصيرص والبنية التحتية لرّي المشروع، وجادلنا أنه لهذه الأسباب مجتمعةً لايمكن القول أن الرّي في مشروع الجزيرة هو تكميليٌ للأمطار. أثرنا في نهاية المقال السؤال: ما الذي حدث لتلك الشرايين وشلّ قدرتها على توصيل المياه إلى الحواشات، وأفقدها الترابط والاستمرارية، وأفقد المشروع كفاءته وانتاجيته العالية، وكينونته ومكانته ليس في العالم بل حتى بين المشاريع الزراعية في السودان؟
قبل الإجابة على هذا السؤال سيكون مفيداً أن نًلقي بعض الضوء على الملامح الأساسية والخلفيّة التاريخية والاجتماعية والاقتصادية لمشروع الجزيرة، بما في ذلك قضية الأراضي.

(2) الملامح الأساسية لمشروع الجزيرة:
معلومٌ أن الحديث عن مشروع الجزيرة قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمسالة زراعة القطن في السودان، وقد أصبح من غير الممكن التفكير في مشروع الجزيرة دون ربطه بالقطن. ولقد لعبت عوامل كثيرة دوراً في ترسيخ ذلك الربط منها سياسة الدولة، ووسائل الإعلام بكل أشكالها، وكذلك المناهج التعليمية في المراحل المختلفة، حيث كان الضوء مُسلّطاً على مشروع الجزيرة وإنتاجه للقطن وآثار ذلك على الخزينة والدخل القومي، ومن ثمّ على التنمية في السودان بشكلٍ عام.
من الملامح الأساسية لمشروع الجزيرة هي مساحته والتي تبلغ 2,2 مليون فدان. تم تنظيم هذه المساحة في 18 قسم تراوحت مساحة كل قسمٍ بين 60 ألف إلى 190 ألف فدان. وتمّ تقسيم كل قسم إلى عدة تفاتيش ـ وهي جمع تفتيش. تفاوت عدد تفاتيش الأقسام بين 4 إلى 8 تفاتيش للقسم الواحدوكذلك تمّ توزيع التفتيش الواحد إلى نِمر ومفردها “نمرة”، ومساحة النمرة الواحدة تساوي 90 فداناً. ينتهي التنظيم في تقسيم النمرة الواحدة إلى حواشات، وتتفاوت مساحة الحواشة بين 10 و40 فدان في الجزيرة رغم أن معظم الحواشات مساحتها 20 فدان . أما في المناقل فتتراوح مساحة الحواشة الواحدة بين 7,5 إلى 30 فدان رغم أن معظم الحواشات مساحتها 15 فدان. من بين أشكال التنظيم نكتفي بتفصيل الأقسام لأنها أكثر الوحدات تلخيصاً لملامح المشروع، كما وأنها تلعب دورهاً في الطريقة التي يُعتمد عليها في انتخاب واختيار الممثلين في تنظيم الزراع النقابي والمعروف بـ “اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل”. تلك الأقسام هي:
(1) القسم الجنوبي (2) قسم الحوش (3) القسم الأوسط (4) قسم المسلمية (5) قسم وادي شعير (6) قسم ود حبـوبه (7) القسم الشمالي (8) القسم الشمالي الغربي (9) قسم أبو قوته (10) القسم الشرقي (11) قسم المكاشفي (12) قسم الشوال (13) قسم الجاموسي (14) قسم الماطوري (15) قسم معتوق (16) قسم المنسي (17( قسم التحاميد، وأخيراً (18) قسم الهـدى.
ويُلاحظ أن القسم الشرقي هو القسم الوحيد الذي يقع خارج منطقة الجزيرة ولا يُروى من الخزان، حيث أنه يقع في منطقة شرق النيل ،ويُروى بالطلمبات. يتبع هذا القسم إدارياً لمشروع الجزيرة ويضم كلاً من ود الفضل، حدّاف، والحرقة/ نور الدين.

(3) التركيبة الاجتماعية والاقتصادية:
يضم المشروع حوالي 128 ألف زارع، ويكوّنون مع أسرهم حوالي مليون نسمة. هناك حوالي 150 ألف عامل موسمي، ويكوّنون مع أسرهم أكثر من مليون نسمة، ويعيشون في أوضاعٍ اقتصاديةٍ سيئة، ويقيم معظمهم في معسكرات تعرف بـ”الكنابي”، والواحد منها “كمبو”. بلغ عدد العمال والموظفين خلال الثمانينيات من القرن الماضي حوالي عشرة ألف، خصوصاً بعد الانتقال إلى الحساب الفردي والذي احتاجت الإدارة بسسببه إلى عددٍ كبيرٍ من المحاسبين. وقد تقلّص هذا العدد تدريجباً إلى بضعة آلاف، ثم بضعة مئات خلال الأعوام الماضية. ويعتبر هذا النقص واحداً من المؤشرات على التحولات الكبيرة التي مرت وتمر بالمشروع.
يقع ثلث ولاية الجزيرة تحت إدارة المشروع ويتأثّر 80% من سكان الجزيرة، والبالغ عددهم حوالي ستّة مليون نسمة، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بالمشروع، وتُمثّل ولاية الجزيرة في مجلس إدارة المشروع. ولابد من الإشارة إلى أن بالمشروع ثروةً حيوانية كبيرة تُقدر بحوالي ثلاثة مليون رأس من المواشي.
كانت أصول المشروع التي تمتلكها الدولة ممثلةً في وزارة المالية تتكون، وحتى وقتٍ قريب، من الآتي:
(1) الأراضي التي تملكها الحكومة والتي تبلغ مساحتها حوالي 1,3 مليون فدان. )هناك حوالي 900 الف فدان المتبقية هي أراضي ملك حر، كما سنناقش لاحقاً(.

(2) مراكز الخدمات، أو مراكز التكلفة، والتي تشمل:
* 14 محلجاً، 7 منها في مارنجان، 6 في الحصاحيصا، ومحلج واحد في الباقير.
* الورش الهندسية (وعددها 18(.
* سكك حديد الجزيرة، وتغطي حوالي 1300 كيلومتر.
* شبكة الاتصالات.
(3) أسطول من السيارات والآليات (تركتورات وحاصدات (.
(4) حوالي 444 مخزن سعتها التخزينية تُقدر بحوالي 2,5 مليون طن.
(5) مباني سكنية (حوالي 6155 منزل متوسط الحجم، و76 سرايا، وعمارتين ببورتسودان(.
(6) حوالي 200 مكتب.
78 (7) مرافق عامة (مدارس ومراكز صحية وخدمية (.
(8) حوالي 53 مصفاة لتنقية المياه.
(9) شبكة للطرق.
(10) هيئة البحوث الزراعية، والتي كانت فيما سبق تعرف بـ “محطة أبحاث الجزيرة.”
(11) شبكة الرّي التي تحدثنا عنها فيما قبل.

(4)علاقات الإنتاج:
ارتكزت وبدأت فكرة مشروع الجزيرة على علاقةٍ وشراكةٍ ثلاثية بين الحكومة وشركة السودان الزراعية والزراع. فالحكومة هي التي تملك السد والقنوات والأراضي ( سيأتي بحث موضوع الأراضي لاحقاً). والشركة هي التي تقوم بإدارة المشروع وأيضاً التمويل ـ وقد كان للقطن فقط ولم يشمل أي محصولٍ آخر ـ وتشرف كذلك على إنتاج القطن. وأخيراً، الزراع وهم الذين يقومون بزراعة القطن في الحواشات تحت إشراف الشركة.
وتجدر الإشارة إلى أنه من المسائل ذات الطابع المعقّد التي واجهت الحكومة والشركة هي محاولة تحديد إسم لهولاء الزراع. وقد ذهب التفكير فيها مناحي مختلفة، أولاً هؤلاء الزراع لا يملكون الأرض، وليست لديهم حرية القرار فيما يزرعون ولا حرية تمويله أو حتّى تسويقه، فلذلك لا يمكن تسميتهم “مزارعين”. ثانياً برزت فكرة تسميتهم “شركاء”، إلّا أن النظر صُرِف عن ذلك الإسم لأن طريقة تقسيم الأرباح التي كانت تُطبق وقتها لم تكن تعكس الفكرة الحقيقة للشراكة، لأن الأرباح كانت تُوزع بعد خصم تكلفة الإنتاج من الزراع. ثالثاً تناولت بعض المكاتبات إمكانية تسميتهم بـ “عمال زراعيين” ولكنه لم يتم اعتماد هذا الإسم لأن العامل يستحق “أجراً ثابتاً” أو التزاماً بأجرٍ من مستخدمه نظير عملٍ محدد، وليس جزءاً من الأرباح كما كان مُطبقاً وقت قيام المشروع، حيث كانت الأرباح تُوزّع على أساس النسب، كما سنناقش بعد قليل.
وأخيراً استقر الرأي على تسمية هؤلاء الزراع “مستأجرين”. وهي تسمية، برغم استقرار الرأي عليها، إلّا أنها ليست دقيقة، لأن المستأجرين أنفسهم، وكما هو معلومٌ، لديهم شيئٌ من الحرية في شأن الأرض التي يستأجرونها، على الأقل في كيفية استخدامها، إلّا أن الزراع في مشروع الجزيرة لم يكونوا يتمتعون بأي قدرٍ من هذه الحريّة.
أمّا نسب توزيع الأرباح عند بداية العمل بالمشروع فقد كانت كالآتي: الحكومة نصيبها 40%، الزراع نصيبهم 40%، والشركة الزراعية نصيبها 20%. ظلت تلك النسب ساريةً من عام 1925م وحتى عام 1950م، وهو العام الذي انتهى فيه العقد مع شركة السودان الزراعية وحلّ مكانها مجلس إدارة مشروع الجزيرة. فقد تمّ في ذلك العام تعديل نسبة أرباح الزراع برفعها إلى 42% والحكومة إلى 42% وحُدّدِت نسبة إدارة مشروع الجزيرة بـ 10%. كما تم إضافة البنود التالية: الخدمات الاجتماعية، والمجالس المحلية، وصندوق الاحتياطي وحُدّدِت نسبة 2% لكل منها. وفي عام 1965م، وتقديراً لدور المزارعين في ثورة أكتوبر، فقد تمّ رفع نسبة أرباحهم إلى 48% وخُفّضت نسبة أرباح الحكومة إلى 36%.
وفي عام 1981م تم استبدال الحساب المشترك (والذي كان يتم بقتضاه خصم التكلفة الإجمالية لكل الزراع من العائد الإجمالي لمحصول القطن وتوزيع الباقي على الزراع)، بالحساب الفردي (والذي يتحمل فيه كل زارع تكلفة انتاج قطنه منفرداً). وتبع هذا التغيير إدخال نظام الرسوم الإدارية والتي يدفع بمقتضاها كل زارعٍ رسوم الأراضي والمياه. وهذا تحولٌ أثار الكثير من الجدل.
ولابد من ملاحظة أن نظام توزيع الأرباح بعد خصم كافة تكاليف الإنتاج كان ينقصه العدل تجاه المزارعين، خاصة في السنوات التي تدنى فيها إنتاج القطن كما حدث في الثلاثينيات من القرن الماضي. ولمعالجة هذا الوضع فقد اتفقت الحكومة والشركة على السماح للزراع بزراعة خمس أفدنةٍ من الذرة وخمس أفدنةٍ أخرى من اللوبيا وذلك لاستخدامهم الخاص دون شراكة مع الحكومة أو الشركة الزراعية أو إدارة المشروع لاحقاً. كما أن اتفاقية الإيجار التي أقرت مبدأ الشراكة الثلاثية قد أعطت الشركة الزراعية الحق في أن تقوم بأي دورٍ للمستأجر حال فشله القيام به، على أن تُخصم التكاليف المترتّبة على ذلك من أرباح المستأجر (وعُرِف هذا النظام بـ الطُلْبة).
ويلاحظ كذلك أن التركيبة المحصولية للدورة الزراعية في المشروع قد شهدت هي الأخرى تغييراتٍ مختلفة قبل أن تستقر في الفترة بين أوائل تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2005م على زراعة (1) القطن، (2) القمح، (3) الفول السوداني والخضروات، (4) الذرة، و(5) البور. وقد تمّ إلغاء التركيبة المحصولية بموجب قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م، كما سنناقش لاحقاً.

(5)قضية الأراضي بالمشروع:
بعد أن استقرت الأمور لإدارة الحكم الثنائي، بدأت في تسوية وتسجيل الأراضي التي استطاع مستعملوها إثبات ملكيتها. وجدت الإدارة أن جزءاً من الأراضي التي سيقوم عليها مشروع الجزيرة هي ملكٌ حر لبعض الأفراد. وبناءاً عليه، وبعد عدة مداولات قررت الإدارة ألّا تنزع هذه الأراضي من أصحابها للصالح العام وتعوضهم كما يقر القانون. جاء القرار بشكله ذلك لعدة اسباب، منها الخوف أن يؤدي نزع هذه الأراضي إلى اضطراباتٍ وثورات،.وكذلك الخوف ألّا تنجح زراعة القطن، والتي هي الأساس الذي قام عليه المشروع، إضافةً إلى التكلفة العالية للتعويضات التي كانت ستُدفع لملاك الأراضي في حالة نزع هذه الأراضي. وقد كان أن نزعت الحكومة بعض الأراضي لإقامة المباني والقنوات وقامت بدفع تعويضٍ وقدره جنيهاً واحداً عن كل فدان.
لهذه الأسباب تقرّر أن يتم تاجير الأراضي الملك الحر من ملاكها إيجاراً قسرياًّ بواقع عشرة قروش ـ أي ريال ـ للفدان في العام الواحد. ومن ثمّ تضاف تلك الأراضي إلى الأراضي الحكومية، ويتم تأجير هذه الأراضي كلها في شكل حواشات للمزارعين حتى ولو كانوا ملاكاً.
على إثر ذلك صدر قانون “أراضي الجزيرة” لعام 1927م لأجل تقنين وتنظيم ايجار الأراضي الملك الحر للحكومة ولمدة 40 عاماً، انتهت في العام 1967م. وهو العام الذي طالب فيه بعض الملاك ـ وهم وراثٌ في غالبيتهم ـ بإعادة أراضيهم إليهم، في حين طالب آخرون منهم بزيادة الإيجار ليواكب الأسعار وقتها. وتبلغ الأراضي التي يملكها أصحابها ملكاً حراً حوالي 900,000 فدان من جملة أراضي المشروع البالغة 2,2 مليون فدان، أي حوالي 40%.
رفض الملاك استلام الـ 10 قروش منذ عام 1972م مطالبين بتعديلها إلى ما يعادل القيمة الحقيقية للـ 10 قروش في العام 1927م. فبرغم تكوينهم لجمعيتهم المعروفة بـ “جمعية ملاك أراضي مشروع الجزيرة”، وتمثيلهم في عدة لجان، بل وبرغم صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م، (والذي يؤكد الملكية ولكنه ينزع هذه الأراضي مقابل تعويضٍ عادل) فإن مسالة الأراضي في مشروع الجزيرة لم يتم حسمها بالشكل الكافي والنهائي بعد. وقد كُونت عدّة لجان للنظر في هذه المسألة، وأصدرت عذّة تقارير. ومنذ عام 1972م ظلّ موضوع “أراضي الملك الحر بمشروع الجزيرة”، موضوعاً تتناقله أيدي اللجان حتى يومنا هذا. ومن أميز اللجان التي تناولته اللجنة التي ترأسها المستشار القانوني الأستاذ عبدالله أحمد مهدي والتي أصدرت تقريرها عام 2003م. ويمتاز هذا التقرير بالدقة والعمق في تحليل مسألة الأراضي هذه. وهنا لابد من القول بأنه ما لم تتم معالجة هذه المسالة وبقدر إلحاحها فإنها ستكون حجر عثرة في طريق تطور المشروع.
هكذا كان مشروع الجزيرة قبل أن يبدأ رحلة الترهل والتدهور والتي امتدت بصفةٍ خاصة إلى بنية الرّي التحتيّة كما سنناقش في المقال القادم.

بالتزامن مع جريدة الأحداث
Salmanmasalman@gmail.com

Sayed Elhassan

مشروع الجزيرة (3) أسباب التدهور ومحاولات العلاج
د. سلمان محمد أحمد سلمان

Salmanmasalman@gmail.com

(1) تعرضنا في المقالين السابقين في هذه السلسلة من المقالات إلى تاريخ مشروع الجزيرة، وأوضحنا أن من أهم العوامل التي ساعدت على قيام المشروع هي وقوع منطقة الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض والذي ساعد وأدّى إلى بناء السدود وتنظيم وتوسيع عملية الرّي بالمشروع، بالإضافة إلى طبيعة الأرض المنبسطة التي أوضحت أن مشروع الجزيرة يمكن ريّه عن طريق الرّي الانسيابي الطبيعي، وهذا يعني أن تكلفة عملية الرّي ستكون قليلةً جداً مقارنةً بالرّي الصناعي. تعرّضنا أيضاً للتطورات في المشروع، وملامحه الأساسية، وأصوله وتركيبته الاجتماعية والاقتصادية وبِنية الرّي التحتية، وكذلك علاقات الإنتاج وقضية أراضي الملك الحر بالمشروع.
سوف نتعرّض في هذا المقال إلى الأسباب التي أدّت إلى التدهور في المشروع خصوصاً البنية التحتية للرّي، والمحاولات المتوالية لإيقاف ذلك التدهور وعلاجه، ولماذا لم تأتِ هذه المحاولات بنتائجها المرجوة .

(2)بدأ مشروع الجزيرة يشهد التدهور في أداء البنية التحتية للرّي والتدنّي التدريجي في الإنتاج منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي. وما تكوين اللجان الكثيرة وفي الفترات التاريخية المختلفة إلّا دليلٌ على إحساس الحكومات المتعاقبة والقائمين على أمر مشروع الجزيرة بخطورة الوضع الذي يواجهه المشروع. وقد كانت هناك عدة

أسباب وراء تدهور مشروع الجزيرة، يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولاً: إن عمليات صيانة قنوات الرّي، والتي تمتد لأكثر من ألفٍ وخمسمائة كيلومتر، كانت ضعيفة ودون التحدي الذي كانت ومازالت تفرضه مشكلة الطمي الوارد من الهضبة الإثيوبية وبكميات كبيرة. وقليلاً قليلاً بدأ الطمي يتراكم في القنوات المختلفة مما أدى إلى البطء، أو حتى التوقف لتدفقات مياه الرّي وتبخّر وتسرّب جزءٍ كبيرٍ منها. وأدّى تراكم الطمي إلى نموٍ غزيرٍ للحشائش في القنوات نفسها، وهذا بدوره أثّر على أداء تلك القنوات وأدّى في النهاية إلى ضعفٍ متواصلٍ في أدائها في عملية الرّي.
ثانياً: أثّر تراكم الطمي أيضاً على أداء خزاني سنار والروصيرص، حيث فقدا نصف طاقتيهما التخزينية بسبب تراكم الطمي عبر السنين. وهنا لابد من الإشارة أيضاً إلى الأثر السلبي لاحتدام التنافس على استغلال مياه خزان الروصيرص بين الاستعمالات لأغراض الرّي والاستعمالات لأجل توليد الطاقة الكهربائية، إذ أن الخزان لم يكن، في الأصل، مصصماً لأداء المهمتين معاً.
ثالثاً: كان لزيادة أسعار المحروقات عالمياً، والتي بدأت عام 1973م، آثار واضحة على توفّر المدخلات الزراعية والوقود حيث فشلت الحكومة في توفير العملة الصعبة من أجل استيرادها، وقد أثّر هذا بدوره بالطبع على أداء مشروع الجزيرة .
رابعاً: أدت زيادة الإنتاج من القطن في آسيا الوسطى والصين والهند في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى تدني أسعاره عالمياً. وقد كان لذلك أثره السلبي على دخل المشروع والمزارعين من محصول القطن.
خامساً: أدّت الزيادة الكبيرة في تكاليف الإنتاج وانخفاض العائد إلى إضعاف رغبة المزارعين في الزراعة مما أدّى إلى هجر عددٍ كبيرٍ لها، وكذلك إلى توقف الكثيرين منهم عن العمل المطلوب فيها بسبب قلّة الحافز.
سادساً: تحت هذه الظروف غير المواتية لم يؤد التغيير من نظام الحساب الجماعي المشترك إلى الحساب الفردي للنتائج المتوقعة، خاصةً وأنه كانت هناك ليس فقط تحفظاتٍ وإنما معارضة من عددٍ من المزارعين لذلك التغيير.
سابعاً: دخل المشروع عملياً فيما يسمى بالحلقة المفرغة أو الدائرة الجهنمية والتي تبدأ بالرّي الضعيف الذي ينتج عن الأداء الضعيف لشبكة الرّي وعدم إشراك المزارعين في عملية الرّي. وذلك الرّي الضعيف يؤدى بدوره إلى تدني الإنتاج والذي ينعكس بدوره في مداخيل منخفضة وغير مجزية، مما يتسبب في تفشي حالة من عدم الرضا بين المزارعين، هذا من جانب، أما من الجانب الآخر فإنه يؤدي إلى عجزٍ في استرداد تكاليف الرّي وبالتالي إلى ضعف تمويل الصيانة والتشغيل. ومعلومٌ أن عدم القيام بالصيانة وضعف التشغيل لا يؤديان في نهاية الأمر إلّا إلى وجود شبكة للري متهالكة وغير قادرةٍ على أداء دورها مما يؤدي إلى ضعف عملية الرّي، ومن هنا تبدأ الحلقة الشريرة في التكرار والدوران الجهنمي.
ثامناً: التخبط في السياسات الزراعية وقصر فترات وزراء الزراعة ومديري المشروع زاد الوضع سوءاً. ففي فترة السبعينيات كان متوسط فترة خدمة وزير الزراعة عاماً واحداً، كما وأننا نجد أنه ومنذ العام 1955م تعاقب على المشروع أكثر من عشرين محافظاً ومديراً عاماً، بالإضافة إلى عددٍ كبيرٍ من المديرين بالإنابة الذين خدموا لفتراتٍ طالت في كثيرٍ من الأحيان بسبب عدم تعيين محافظٍ أو مديرٍ عام خلال تلك الفترة.
تاسعاً: لم تؤد محاولات إعادة تأهيل البنية التحتية للمشروع في العام 1983م والتي موّلها عددٌ كبيرٌمن المانحين وبمبالغ ضخمة إلى نتائج إيجابية بسبب غياب الإصلاح المؤسسي من علاقات إنتاجٍ وتمويلٍ وتسويق.

(3)جرت عدة محاولاتٍ للتصدي لتدهور المشروع، وكُوّنت عدة لجان وفي فترات مختلفة. وقد اعتمدت تلك اللجان بشكلٍ أساسيٍ على كتاب السيد آرثر جيتسكل “الجزيرة ـ قصة تنمية في السودان”، والذي صدر في عام 1959م ولكنه ما زال المرجع الأساسي لقصة قيام وتطور مشروع الجزيرة. ومن أهم تلك اللجان والتقارير:
(1) تقرير محطة أبحاث الجزيرة الذي صدر عام 1963م وتناول بشكلٍ أساسيٍ القضايا المتوقع حدوثها بعد اكتمال العمل في خزان الروصيرص وإمتداد المناقل، وقد اكتمل العمل فيهما كما كان مُتوقعاً في منتصف الستينيات.
(2) تقرير البنك الدولي لعام 1966م والذي أُطلق عليه “تقرير ريتس” إشارةً إلى السيد “ليونارد ريتس” رئيس فريق العمل الذي أعدّ التقرير. وقد انتقد التقرير نظام الحساب الجماعي وأوصى بتبديله بالحساب الفردي، كما أوصى بإدخال نظام حريّة اختيار المحاصيل بواسطة المزارعين.
(3) تقرير “اللجنة العاملة لمشروع الجزيرة” لعام 1967م. وقد ترأّس تلك الجنة الدكتور حسين إدريس وقد ساهم معه في إعداد التقرير البروفيسر جون سمسن أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة ليدز بالمملكة المتحدة. وقد إتفقت هذه اللجنة مع لجنة البنك الدولي في مقترح حرية اختيار المحاصيل.
(4) تقرير البنك الدولي لعام 1983م، والذي تمّت بموجبه إعادة تأهيل مشروع الجزيرة بقروض ميسرة من البنك الدولي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والحكومتين الإيطالية واليابانية. وقد كان شرط المانحين لتقديم عونهم إصدار قانون مشروع الجزيرة لعام 1984م، وهذا ما حدث، مُقنّناً ومُفصّلاً للحساب الجماعي.
(5) التقرير الوزاري لعام 1993م الذي جاء إثر التحولات الاقتصادية إلى السوق الحر التي تبنتها الحكومة في تلك الفترة.
(6) تقرير لجنة عام 1998م، والتي ترأّسها الدكتور تاج السر مصطفى، وقد أوصى ذلك التقرير، لأول مرةٍ، بقيام شركةٍ مساهمة تؤول إليها ملكية مشروع الجزيرة.
(7) تقرير الفريق المشترك بين البنك الدولي وحكومة السودان لعام 2000م، والذي أعقبه صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م متضمناً عدداً من التوصيات التي شملها التقرير.
(8) تقرير لجنة الإصلاح المؤسسي لمشروع الجزيرة برئاسة الدكتور عبد الله أحمد عبد الله لعام 2004م. وقد شملت اللجنة عدداً من الممثلين لاتحاد مزراعي الجزيرة والمناقل. وقد أيدت هذه اللجنة توصيات تقرير عام 2000م.
(9) تقرير ورشة العمل الأولى التي انعقدت عام 2004م حول مسوّدة قانون مشروع الجزيرة.
(10) تقرير ورشة العمل الثانية التي ترأسها الدكتور مأمون ضو البيت، والتي إنعقدت عام 2005م لوضع خارطة طريق لتطبيق قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م.
(11) تقرير لجنة عام 2007م، والتي ترأّسها الدكتور عبد الوهاب عثمان. وقد ناقش تقريرها المعوّقات التي تقف في طريق تنفيذ قانون عام 2005م.
(12) تقرير بيت الخبرة التركي حول إعادة هيكلة إدارة وتمويل مشروع الجزيرة والذي صدر عام 2008م.
(13).تقرير لجنة الدكتور عبد الله عبد السلام والتي شملت أيضاً الدكتور أحمد محمد آدم، والدكتور عمر عبد الوهاب، والدكتور مأمون ضو البيت حول الحالة الراهنة وكيفية الإصلاح لمشروع الجزيرة، والذي صدر عام 2009م. وقد أثار هذا التقرير الكثير من الجدل بسبب نقده الحاد والقاسي للطريقة التي يتم بهل تطبيق قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م، والكيفية التي يتم بها التصرف في أصول المشروع. وتأتي أهمية التقرير والنقد من حقيقة أن كاتبيه الأربعة عملوا في مواقع قيادية بمشروع الجزيرة، شملت نائب المدير العام للمشروع.
يدلّ تكوين هذه اللجان وتدّل تقاريرها المختلفة على الحجم الكبير للمشاكل التي تواجه مشروع الجزيرة، وأيضاً على إقتناع المسئولين في الحكومات المختلفة بضخامة هذه المشاكل. وبسبب الطبيعة الصحفية لهذه المقالات فإننا لن نتمكن من مناقشة مكوّنات وتوصيات أيٍ من هذه اللجان بالتفصيل المطلوب. وقد كان إصدار قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م والذي انبنى إلى حدٍّ كبير على تقرير عام 2000م، أكبر معلمٍ لمحاولة حلحلة هذه المشاكل.

(4)قبل التطرق لقانون عام 2005م لا بدّ من الوقوف قليلاً عند القوانين التي سبقته، فقد خضع العمل بالمشروع منذ قيامه لقوانين منظمة له ومنظمة كذلك للعلاقة بين أطرفه الثلاثة وهي حكومة السودان ، إدارة مشروع الجزيرة والتي جاءت خلفاً لشركة السودان الزراعية في عام 1950م، والزراع والذين يمثلهم اتحاد المزارعين. لم تظل تلك القوانين ثابتة وإنما تحولت وتطورت حسب مراحل التطور التي شهدها المشروع عبر تاريخه. ولم تكن تلك القوانين مرتبطةً بتلبية احتياجات تنظيم العمل في المشروع فحسب وإنما وبنفس القدر أو أكثر قد ارتبطت بالظروف وبالتحولات السياسية التي شهدها السودان.
سنشير إجمالاً للقوانين التي نظمت العمل في مشروع الجزيرة مع التركيز بشكلٍ خاص على آخر تلك القوانين وهو قانون عام 2005م. ويمكن تتبع تلك القوانين كما يلي:
منذ البداية قام المشروع وخضع لبنود اتفاقية 1925م التي تمت بين إدارة الحكم الثنائي وشركة السودان الزراعية. وقد أوضحت الاتفاقية حقوق وواجبات كل طرفٍ من الأطراف الثلاثة. وفي عام 1926م صدرت اتفاقية الإجارة بين شركة السودان الزراعية والمستأجرين (الزراع)، وتمّ تطويرها في العام 1936م. وأعقبها في عام 1927م صدور قانون أراضي الجزيرة والذي بمقتضاه تمت الإجارة القسرية لأراضي الملك الحر بمشروع الجزيرة كما ناقشنا من قبل، وقد حلّ هذا القانون مكان قانون آخر صدر عام 1921م.
وفي عام 1950م صدر قانون مشروع الجزيرة والذي انتقلت بموجبه إدارة مشروع الجزيرة من شركة السودان الزراعية إلى إدارة مشروع الجزيرة وتعدّلت نسب الأرباح لكلٍ من الأطراف الثلاثة. وقد حلّ مكان هذا القانون قانون مشروع الجزيرة لعام 1960م لتقنين إضافة امتداد المناقل ليصبح جزءاً من مشروع الجزيرة. وتلك هي الفترة التي شهد فيها مشروع الجزيرة توسّعاً كبيراً في مساحته وفي شبكة الرّي، وزيادةً في عدد زراعه، وبالطبع فقد أثّر ذلك في تطور المشروع وإدارته في جوانب عدة. ومن ناحيةٍ أخرى فقد أدّى التوسع إلى زيادة قوة واتساع نفوذ اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل. وقد تم تمثيل المزارعين بممثلٍ واحد لأول مرة في مجلس إدارة مشروع الجزيرة. ووضع القانون مشروع الجزيرة تحت إشراف وزارة الزراعة وأعطى وزير الزراعة الكثير من الصلاحيات في إدارة المشروع.
وفي عام 1984م صدر القانون الذي قنّن الحساب الفردي الذي طُبِق عملياً في العام 1981م، عند إلغاء الحساب الجماعي واستبداله بالحساب الفردي كما ناقشنا في المقال الثاني من هذه السلسلة. ويعتبر إلغاء الحساب الجماعي المشترك واحداً من التحولات الكبيرة والمؤثرة في مسار المشروع. أثار ذلك التحول جدلاً واسعاً بين المزارعين داخل مشروع الجزيرة، وبين أطرافه الثلاثة وخارج المشروع. وكما ذكرنا آنفاً فقد كان إصدار ذلك القانون هو أحد شروط المانحين لتمويل إعادة تأهيل المشروع عام 1983م. وقد رفع القانون تمثيل المزارعين في مجلس الإدارة من عضوٍ واحد إلى خمسة أعضاء، وتمّ تمثيل الموظفين والعمال بمقعدٍ لكل منهم. وقد وسّع القانون صلاحيات وزارة الزراعة الإشرافية على المشروع.
اما آخر قانون صدر بشأن تنظيم العمل في مشروع الجزيرة فهو قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م والذي وافق عليه وأجازه البرلمان الحالي، أي المجلس الوطني، في يونيو من ذاك العام ووقّع عليه السيد رئيس الجمهورية في 3 يوليو عام 2005م.
وبسبب ما أثاره وما زال يثيره هذا القانون من جدلٍ وخلافٍ بين أوساط المزارعين والأكاديميين والسياسيين في تناوله لقضايا المياه والأراضي والتركيبة المحصولية وعلاقات الإنتاج، فسوف نناقشه بشيءٍ من التفصيل في المقال القادم في هذه السلسلة من المقالات.

بالتزامن مع جريدة الأحداث

Omer elamin

مشروع الجزيرة (4): السمات الأساسية لقانون عام 2005م ..
بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

(1)تعرضنا في المقالات الثلاث السابقة في هذه السلسلة من المقالات إلى تاريخ مشروع الجزيرة، وأوضحنا أن من أهم العوامل التي ساعدت على قيام المشروع هي وقوع منطقة الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض والذي ساعد وأدّى إلى بناء السدود وتنظيم وتوسيع عملية الرّي بالمشروع، بالإضافة إلى طبيعة الأرض المنبسطة التي أوضحت أن مشروع الجزيرة يمكن ريّه عن طريق الرّي الانسيابي الطبيعي. تعرّضنا أيضاً للتطورات في المشروع، وملامحه الأساسية، وأصوله وتركيبته الاجتماعية والاقتصادية وبِنية الرّي التحتية، وكذلك علاقات الإنتاج وقضية أراضي الملك الحر بالمشروع. وقد ناقشنا أيضاً الأسباب التي أدّت إلى التدهور في المشروع خصوصاً البنية التحتية للريّ، وتكوين وتقارير اللجان المختلفة لإيقاف ذلك التدهور ومحاولة علاجه، ولماذا لم تأتِ تلك المحاولات بنتائجها المرجوة. وسنناقش في هذا المقال قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م.

(2)يعتبر صدور قانون مشروع الجزيرة في يوليو عام 2005 من أهم التطورات التي شهدها مشروع الجزيرة منذ إنشائه، إن لم نقل أنه أهم تطورٍ في تاريخ المشروع. فقد أدخل هذا القانون تغييراتٍ جذرية على وضعية المشروع وعلى نمطي الإنتاج والإدارة بالمشروع. ألغى هذا القانون قانون عام 1984م وحلّ محله، كما ألغى أيضاً قانون أراضي الجزيرة لعام 1927م.
يُعرِّف القانون في المادة 4 مشروع الجزيرة بأنه مشروعٌ اقتصادي واجتماعي ذو نشاطٍ متنوع، يتمتع برعاية قومية للتنمية، وله شخصية اعتبارية مستقلة إدارياً ومالياً وفنياً وصفة تعاقبية مستديمة وخاتم عام وله حق التقاضي باسمه. كما أكّد القانون ملكية الدولة ـ ممثلة في وزارة المالية والاقتصاد الوطني ـ لأصول المشروع. وحدّد تكوين المشروع من (1) المزارعين (2) الحكومة ممثلة في وحداتها التي تقدم الخدمات الأساسية ومن ضمنها الرّي والسلع العامة التي تشمل البحوث ووقاية النباتات والتقانة والإرشاد والدراسات الفنية والتدريب، إضافةً إلى الإدارة الإشرافية والتخطيط، (3) القطاع الخاص بما يقدمه من خدماتٍ تجارية مساعدة.
سنّ القانون عدداً من المبادئ الأساسية المهمة، يمكن تلخيصها في الآتي:

(3)المبدأ الأول هو مبدأ حرية اختيار المحاصيل الذي تضمنته المادة (5) الفقرة (هـ( من القانون، حيث أوردت،”كفالة حق المزارعين في إدارة شأنهم الإنتاجي والاقتصادي بحرية كاملة في إطار المحددات الفنية واستخدام التقانة للارتقاء بالإنتاجية وتعظيم الربحية منها”. هذا النص يحتوي على أهميةٍ خاصة . فهو يعني ببساطة الآتي:
أولاً: فك الارتباط التاريخي بين مشروع الجزيرة وإنتاج محصول القطن.
ثانيا:ً إنهاء الحلقة الأساسية في علاقات الإنتاج داخل المشروع بين المزارعين وإدارة مشروع الجزيرة والتي تمثلت في زراعة القطن والإشراف عليه وتمويله. وهذا بالطبع تحوّلٌ كبير وجذري، وهو بلا شك أكبر تحولٍ يمر به المشروع منذ إنشائه قبل أكثر من ثمانين عاماً. ورغم أن القانون كان قد صدر في العام 2005م، إلا أن تطبيق هذا المبدأ لم يتم حتى موسم 2007 ـ 2008م، كما سيأتي ذلك لاحقاً في هذا المقال.
كان هذا التحول مثاراً للجدل والخلاف حيث انتقده البعض، بل ورفضوه، باعتبار أنه ينهي الدور التاريخي للمشروع في زراعة القطن، هذا من الجانب الأول،
ويلغي، من الجانب الثاني، دور الدولة في تحديد أولوياتها بالنسبة للمحاصيل التي سوف تتم زراعتها،
أما من الجانب الثالث فإنهم يرون أن هناك مخاطرة في زراعة محاصيل قد يكون المشروع غير مهيأ لها.
وأما على صعيد المرحبين به فإنهم أولاً
يرون أن المستأجر في المشروع ولأول مرة يتحول إلى مزارعٍ له حرية اتخاذ القرار فيما يريد زراعته وتحمّل تبعات ذلك كاملةً.
ثانياً، إنه ينهي الامتياز القسري لمحصول القطن،
أما ثالثاً فإنه يضع حداً للنظام السلطوي لإدارة المشروع بواسطة مجلس الإدارة الذي درج على تحديد المحاصيل وتمويل القطن والإشراف العام عليه.

(4) المبدأ الثاني الذي أقره القانون في المادة (16)، هو تمليك الأراضي للمزارعين. وفي هذا الشأن وردت ثلاث معالجات كما يتضح من الفقرة (2)، وهي:
“)أ) المزارعون أصحاب الملك الحر الذين خُصّصت لهم حواشات بموجب تلك الملكية تسجل لهم تلك الحواشات ملكية عين بسجلات الأراضي.
) ب(الملاك الذين لم ُتخصّص لهم حواشات عند التفريقة والذين لهم فوائض أرض وفق الفقرة (أ) تؤول أراضيهم للمشروع مع تعويضهم تعويضاً عادلاً.
)ج) يُملّك بقية المزارعين في المشروع من غير أصحاب الملك (الحواشات) التي بحوزتهم ملكية منفعة لمدة تسعة وتسعين عاماً.”
واضحٌ أن هذه المادة قد أنهت الإيجار القسري للأراضي الملك الحر، وقامت بتمليك الأراضي بالمشروع للمزارعين إما ملكية عين أو ملكية منفعة. كما أنها قضت بنزع الأراضي من غير المزارعين وتعويضهم تعويضاً عادلاً. هذا هو أيضاً تحولٌ جذري ينهي الإجارة القسرية التي استمرت لأكثر من ثمانين عاماً، غير أن تطبيق هذه المادة ما زال بعيد المنال وذلك لمطالبة المالكين بمبالغ ضخمة تمثل كلاً من الإيجار منذ عام 1972م، والتعويض عن أراضيهم التي سيتم نزعها. وما زال الجدل والسجال دائراً حول هذه المسألة ووصل حدّ التقاضي أمام المحاكم.

(5)المبدأ الثالث الذي أقره القانون هو إعطاء المزارع الحق في التصرف في الحواشة بالبيع أو الرهن أو التنازل وفق الموجّهات التي يضعها المجلس. وقد ورد هذا المبدأ في المادة (17) من القانون وأثار الكثير من الجدل حيث اعتبره البعض امتداداً لحرية المزارع في ترك الزراعة ببيع حواشته ومن ثمّ التحول إلى عملٍ آخر إن أراد ذلك. كما رأى البعض أن ضمان حق الرهن يفتح إمكانيات تمويل كبيرة للمزارعين. من جانبٍ آخر هناك منْ رأى أن إقرار مبدأ كهذا سيشجع المزارعين على هجر الزراعة وسيؤدي بهم إلى خسارة أراضيهم المرهونة في حال عجزهم عن سداد ديونهم.
لابد من الإشارة هنا إلى أمرين الأول هو أن تطبيق هذا المبدأ لم يتم بعد لأن نقل ملكية الأرض للمزارعين لم يتم بعد هو الآخر. أما الأمر الثاني فهو أن ملكية الحواشة قد تمّ تقييدها بشروطٍ محدّدة في المادة 16 من القانون نفسه تلخصت في استغلال الحواشة لأغراض الزراعة فقط، عدم تفتيت الملكية وأخيراً في حالة بيع الحواشة أو التنازل عنها يتم تطبيق أحكام الملكية بالشفعة.

(6)المبدأ الرابع وهو إنشاء روابط مستخدمي المياه لإدارة وصيانة وتشغيل قنوات الحقل بالمشروع. وهذا المبدأ أقرته المادة (19) من القانون حيث نصت على الآتي: “(أ) تُنشأ روابط لمستخدمي المياه تحت إشراف المجلس على مستوى المشروع تمثل الإدارة الذاتية للمزارعين ذات شخصية اعتبارية وتسلَّم لها مهام حقيقية في إدارة استخدامات المياه بالتعاقد مع وزارة الرّي والموارد المائية في مجال الإمداد المائي والاستشارات الفنية.”
“)ب) تنشئ وزارة الرّي والموارد المائية إدارة خاصة لريّ مشروع الجزيرة.”
تعرّضت فكرة روابط مستخدمي المياه إلى نقدٍ عنيف داخل وخارج المشروع، ومن ضمن ما أُثير في ذلك النقد أولاً أنها فكرة غريبة على السودان ولم تطبّق من قبل في أي مشروعٍ زراعي. ثانياً، أنها فكرة تخص وترتبط بالدول التي تعاني من شح المياه ومصادرها. ثالثاً، أن تطبيقها يلغي دور وزارة الرّي ومجلس الإدارة ويحيله إلى المزارعين. ورابعاً، أن المزارعين غير مؤهلين للقيام بهذا الدور. ومن ضمن النقد أن هذه الروابط تخلق وسيطاً جديداً بالإضافة إلى وزارة الرّي ومجلس الإدارة، وأنها ستؤدى ً إلى فصل الشبكة الصغرى عن الشبكة الكبرى.
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن فكرة روابط أو اتحادات مستخدمي المياه ترجع في بروزها إلى سبعينيات القرن الماضي وقد تمّ تطبيقها في عدة أقطار من العالم. وقد قمتُ عام 1995م بإعداد دراسة بعنوان “الإطار القانوني لاتحادات مستخدمي المياه”، وقد قام البنك الدولي بنشرها في عدة لغات .وهذه الدراسة واحدةٌ من الدراسات المقارنة القليلة التي تناولت تلك الفكرة. ورغم أن الدراسة عالجت الإطار القانوني لروابط واتحادات مستخدمي المياه، إلا أنها ومن ضمن ما خلصت له هو أن مشاركة المزارعين عبر اتحادات مستخدمي المياه المُنتخبة ديمقراطياً والمسجلة كشخصيةٍ اعتباريةٍ قانونية في إدارة وتشغيل وصيانة أجزاء من أنظمة الرّي، قد أدت فعلياً إلى الآتي:
1- الاستخدام المرشّد للمياه والذي أدّى وبالنتيجة إلى وفوراتٍ فيها.
2- ازدياد إمكانية الصيانة الجيّدة لمرافق الرّي.
3- تقليل تكلفة التشغيل والصيانة بصورةٍ كبيرة.
4- وضع الحد لمركزية تقديم الخدمات.
5- تمليك المزارعين وتمكينهم من صلاحيات إدارة شئونهم.
وقد قمتُ بإعداد ونشر دراسة في عام 2005م تحت عنوان “الإطار القانوني لإدارة الموارد المائية”. تبين من نتائج تلك الدراسة أن هناك أربعة عشر دولة من ضمن الستة عشر دولة التي شملتها الدراسة قد قامت بتبني فكرة “اتحادات مستخدمي المياه” وطبقتها بصورة مكثفة وتأكّد نجاحها في تحقيق أهدافها، وأن الإصلاح المؤسسي في قطاع الرّي في معظم أنحاء العالم قد تبنّى فكرة إنشاء روابط مستخدمي المياه. بل إن بعض الدول قد شكّلت اتحاداتٍ لهذه الروابط وأناطت بها مسئولية تشغيل وصيانة القنوات الكبرى والرئيسية، وأنه في دولة شيلى قامت هذه الروابط بشراء القنوات والخزانات من الدولة وتقوم بإدارتها كمالكٍ وليس فقط تحت عقد إدارة.
لم يُكْتب النجاح لتجربة روابط مستخدمي المياه بمشروع الجزيرة لعدّة أسباب. فقد صاحب إنشاء الروابط الكثير من الاستعجال فلم يتم تدريب وتأهيل لجان الروابط بصورةٍ كافية. كما أن كثيراً من المعارضين يدّعون أن الروابط تخضع لإشراف وتوجيهات اتحاد المزارعين وإدارة مشروع الجزيرة وأنها ليست مستقلةً قانونياً أو إدارياً أو مالياً. ولكن أهم من هاتين النقطتين مسألة الوضعية السيئة للقنوات التي ستديرها روابط مستخدمي المياه. فقد نصّ قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م في المادة 28.(4) على أنه “يتم تسليم قنوات الحقل لروابط مستخدمي المياه بعد تأهيلها”. وبما أن التأهيل لم يتم بعد فإن روابط مستخدمي المياه التي تمّ تكوينها لم تستطع أن تقوم بالصيانة والتشغيل لهذه القنوات بسبب وضعها السيئ.

(7)المبدأ الخامس: تقليص دور مجلس الإدارة: تعرّض القانون لتشكيل وتحديد اختصاصات وسلطات مجلس إدارة مشروع الجزيرة. ويتكوّن المجلس من رئيسٍ يعينه رئيس الجمهورية وأربعة عشر عضواً. ويُمثّل المزارعون في المجلس بنسبة لا تقل عن 40% من عضوية المجلس. ويشمل المجلس أيضاً ممثّل للعاملين بالمشروع وممثلين للوزارات المختصة (تشمل المالية، الزراعة، الرّي، التقانة، بنك السودان، ووزارة الزراعة بإقليم الجزيرة.) قلّص القانون دور المجلس تقليصاً واضحا, وتتضمن المادة 9ً اختصاصات مجلس الإدارة والتي تتلخص في:
أولاً: وضع الأسس العلمية للدراسات البحثية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لحسن استخدام موارد المشروع لتحقيق أعلى معدلات ربحية ممكنة.
ثانياً: وضع السياسات التشجيعية العادلة لتنفيذ سياسات الدولة الإستراتيجية للمحاصيل الزراعية.
ثالثاً:إدارة وتطوير الخدمات الأساسية المتمثلة في البحوث ووقاية النباتات والتقانة والإرشاد وإكثار البذور والتدريب والطرق الداخلية.
رابعاً: إرساء نظام تكافلي يسمح بتعويض المزارع المجد حال تعرّضِه للآفات والكوارث الطبيعية.
خامساً: وضع المحددات الفنية للتركيبة المحصولية والدورة الزراعية.
سادساً: اعتماد الخطط والبرامج المرفوعة من المدير العام (والذي يقوم بتعيينه المجلس(.
سابعاً: تحديد فئة خدماته التي يؤديها بالتنسيق والاتفاق مع الجهات المختصة ويتم تحصيلها من المزارعين بواسطة روابط مستخدمي المياه.
يتضح من هذا العرض أن دور المجلس قد تقلّص وأصبح ينحصر في البحوث والاستشارات والدراسات ووضع السياسات الزراعية، وأن عليه أن يتحصل على رسوم خدماته من المزارعين. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن إلغاء نظام زراعة القطن القسرية أدّى إلى التقليل من اعتمادات المجلس المالية بسبب تناقص دخل المجلس من عائدات تمويل محصول القطن والمدخلات الزراعية.

(8)هذه هي المبادئ الخمسة الأساسية التي يرتكز عليها القانون. ولابد من الإشارة هنا إلى أنه من بين هذه المبادئ لم يتم غير تطبيق مبدأ حرية اختيار المحاصيل، والذي طُبِق في الموسم 2007م/2008م. وبمقارنة بينه والموسم السابق 2006م/2007م نجد أن المساحة المزروعة قطناً قد تقلّصت إلى حوالي 90 ألف فدان في ذلك الموسم بدلاً عن حوالي 250,000 فدان في الموسم السابق، بينما زادت المساحة المزروعة قمحاً لتصل إلى حوالي 427,000 فدان وقد كانت حوالي 294,000 فدان في الموسم الماضي. وهذا الابتعاد الكبير عن زراعة القطن لا بد أن يكون مؤشراً على تجربة المزارعين مع محصول القطن من النواحي الاقتصادية والفنية والإدارية وغيرها من المناحي.
كذلك تمّت إعادة تشكيل مجلس الإدارة حسب مقتضيات المادة 6 من القانون. ويُلاحظ أن وزير الزراعة لم يعد رئيساً للمجلس وهذا تأكيدٌ للوضع الذي ساد في السنوات الخمس التي سبقت صدور القانون، خلافاً لما تضمنته القوانين السابقة للمشروع.
نختتم هذا المقال بتصريح السيد الزبير بشير طه والي ولاية الجزيرة إلى جريد الرأي العام يوم 18 أكتوبر عام 2011م، والذي أقرّ فيه “بتلف (70 – 100) ألف فدان بمشروع الجزيرة بسبب العطش، وأشار إلى أنّ (70%) من منظومة الرّي بالمشروع تحتاج لعمل، وقال إن بعض المواطنين في الولاية يشربون مع الأنعام، وأوضح الزبير أن ولاية الجزيرة وقعت اتفاقاً مع الصين بمليار دولار العام الماضي للتنمية، سلمت لرئاسة الجمهورية ووزارة المالية بغرض توفير الضمان من بنك السودان المركزي، إلا أنه لم يحدث شئ حتى الآن.”
هذا يؤكّد بجلاء اقتناع المسئولين أنفسهم بالحاجة الماسة والعاجلة لإعادة تأهيل شبكة الرّي بمشروع الجزيرة بتنظيف شرايين المشروع من كميات الطمى الهائلة التي تراكمت على مدى السنوات الماضية في هذه القنوات، وإعادة الحياة إليها.
سنتعرّض في المقال القادم والأخير من هذه السلسلة من المقالات لملاحظاتٍ عامةٍ عن المشروع وعن آفاق ومتطلبات المستقبل.
بالتزامن مع جريدة الأحداث

Omer elamin

مشروع الجزيرة (5(
آفاق ومتطلّبات المستقبل (خاتمة(
د. سلمان محمد أحمد سلمان
Salmanmasalman@gmail.com

(1)أوضحت المقالات الأربع الماضية أن مشروع الجزيرة مرّ خلال سنواته الخمس وثمانين الماضيه بعدّة مراحل. وقد انتظمت كلَّ مرحلةٍ جوانبُ من التطورات والمتغيرات. ويمكن تقسيم هذه المراحل إلى أربع:

أولاً: مرحلة نشأة المشروع وتطوّره – 1925م – 1950م
تمّ خلال هذه المرحلة وضع القواعد الأساسية التي تنظّم العمل بالمشروع وتقنن علاقات الإنتاج به. وهذه العلاقات تميّزت، فيما تميّزت به، بالخلط بين نظامٍ رأسماليٍ وآخر اشتراكيٍ. برزالنظام الرأسمالي في تركيبة الشركة الزراعية السودانية وطريقة إدارتها للمشروع. فالشركة شركةٌ مساهمة مسجلة في الأسواق المالية في لندن ولها مئات المساهمين من مؤسساتٍ وأفراد يملكون فيها أسهماً ويتوقعون عائداً وفيراً منها كل عام. لذا كان همُّ الشركة الأساسي تحقيق أكبر قدرٍ من الأرباح إرضاءاً لهؤلاء المساهمين. وقد كان هذا هو السبب الأساسي الذي جعل الشركة تُحمّل الزراع تكلفة الإنتاج بدلاّ من تحملها بواسطة الشركاء الثلاثة – الحكومة والشركة والزراع ــ، وتبذل قصارى جهدها في تقليل تكلفة الإنتاج وتعزيز أرباحها.
من الناحية الأخرى كان نظام العلاقات بين الزراع أنفسهم نظاماّ اشتراكياّ تكافلياً يتحمّل فيه الزراع كمجموعةٍ تكلفة زراعة القطن وتوزّع الأرباح عليهم بعد خصم التكلفة الإجمالية، وليس الفردية، لزراعته. ولكن تحت هذا النظام استوى المزارع الدؤوب الجاد بنظيره الذى لا يملك نفس المقومات. إذن فقد كان إطار علاقات الإنتاج إطاراً رأسمالياً وكان المضمون اشتراكياً تكافلياً.
تميزت العلاقة أيضاّ ببعدٍ انضباطىٍ سلطوىٍ أشبه ما يكون بالنظام العسكري. فالأوامر تصدر من موظفي الشركة للزراع في كل صغيرة وكبيرة تخصّ زراعة القطن بدءاً بإعداد الأرض، واستلام التقاوى والسماد، ومتى تتم الزراعة ومتى تتم إزالة الحشائش، وكذلك أوقات الرّى والرش واستعمال السماد والمبيدات ومتى يتم جنى القطن وتسليمه للشركة واستلام الأرباح، بعد خصم التكلفة. وليس هنالك إشراكٌ للزراع في تفاصيل أيةٍ من هذه العمليات، وليس لديهم بديلٌ غير إطاعة هذه الأوامر. ولتأكيد هذا النمط السلطوى فقد أعطت اتفاقية الإجارة بين الشركة والمستأجر الحق للشركة في القيام بأىٍ من هذه الأعمال إذا فشل أىٌ من الزراع في القيام بها وتحميله التكلفة المالية كاملةّ، وقد انعكست ممارسة ذلك الحق في تطبيق ما عُرِف بين المزارعين بنظام “الطُلبة”.
بعد أعوامٍ قليلة من إدخال هذا النظام السلطوي لزراعة القطن بالمشروع بدأت بعض الثقوب تظهر فيه – ماذا يحدث اذا كان العائد للزراع ضعيفاّ أو لم يكن هناك عائد بسبب قلة الإنتاج أو ضعف الأسعار؟ جاءت الإجابة في تليين ذلك النظام قليلاً بإعطاء الزراع حق زراعة الذرة واللوبية في مساحةٍ صغيرة أخرى، ويكون الناتج كلّه حقاً للزراع، ولكن بدون تمويلٍ من الشركة. فهذان المحصولان قُصِد منهما امتصاص عدم رضاء الزراع وأيضاً تحسين التربة. وقد قامت الشركة أيضاً في أواخر الأربعينيات بإنشاء صندوق الاحتياطي لمساعدة الزراع في السنوات العجاف. غير هذا فقد ظل النظام السلطوي لعلاقات الإنتاج كما هو طوال هذه الفترة.
امتد هذا النظام السلطوي إلى إدارة الأراضى أيضاّ. فملاك الأراضى الذين أُعطوا أراضيهم أو جزءاً منها كحواشات اُعطيت لهم هذه الأراضى تحت عقد إجارة نزع منهم كل حقوق الملكية، وأصبح هؤلاء الملاك أجراء لأرضهم تحدّد لهم الشركة ما يجب أن يفعلوه في أرضٍ هى ملكهم. وقد كان الغرض وراء هذا الإجراء الغريب وضع أراضي المشروع كلها من الناحية القانونية والعملية تحت إدارة وسيطرة الشركة وتجريد الملاك من أي حقوقٍ تتصل بملكيتهم لهذه الأراضى. فالأجرة التى يتقاضاها هؤلاء الملاك أسقطت حقوقهم في الأرض وفرضت عليهم إطاعة أوامر الجهة التى تدفع لهم الأجرة.
ترسّخ هذا النظام السلطوي خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي وأصبح نظام العمل المعروف والمألوف بالمشروع حتى بعد أن انتهى عقد الشراكة وآلت إدارة المشروع لمجلس الإدارة السوداني. وكما ذكرنا فقد لعب العمل النقابي دوراً كبيراً في مشروع الجزيرة نتج عنه زيادة نسبة أرباح المزارعين، ولكنه لم يُحدث تغييراً ذا شأن في علاقات الإنتاج.

(2)ثانياّ: مرحلة التوسع في المشروع – 1950م- 1975م
انتهى عقد الإدارة بين شركة السودان الزراعية وحكومة العهد الثنائي عام 1950م وانتقلت الإدارة في ذلك العام إلى مجلس إدارة مشروع الجزيرة. وقد صدر في ذلك العام قانون مشروع الجزيرة لعام 1950م والذى كان أول قانون ينظم العمل بصورة متكاملة في المشروع.
تُسمّى بعض الكتب والتقارير هذه النقلة بإنها “تأميم للمشروع”، وهذه التسمية ليست دقيقة لأن الأراضي والخزان والقنوات بالمشروع لم تكن ملكاً للشركة حتى تُؤمم، بل كانت ملكاً للحكومة، تديرها الشركة بمقتضى عقد إدارة انتهى ذاك العام ولم يتم تجديده. نتج عن هذا التغيير زيادة نسبة أرباح المزارعين والحكومة بعد أن خُفِّضتْ نسبة أرباح مجلس إدارة المشروع. وزادت نسبة أرباح المزارعين مرّةً ثانية بعد ثورة أكتوبر، ولكن هذه المرة كانت الزيادة خصماً على حساب نصيب الحكومة. عدا هذا فقد استمرت علاقات الإنتاج على ما كانت عليه إبان فترة إدارة الشركة للمشروع.
كانت مساحة المشروع قد وصلت إلى حوالي مليون فدان عام 1950م، وكانت الدراسات الخاصة بامتداد المناقل قد قاربت الاكتمال. وفي عام 1954م بدأت المفاوضات مع مصر بغرض السماح للسودان ببناء خزان الروصيرص لري امتداد المناقل. وتمّ الاتفاق بين السودان ومصر على بناء خزان الروصيرص والسد العالي، وعلى حصة كلٍ منهما من مياه النيل (18,5 مليار متر مكعب للسودان و55,5 مليار متر مكعب لمصر) بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959م، والتي تم التوقيع عليها بعد عامٍ من وصول الفريق عبود إلى السلطة. مع اكتمال خزان الروصيرص والتوسع في امتداد المناقل وصلت مساحة المشروع إلى مليوني فدان وتوسعت البنية التحتية من قنوات رىٍّ وطرقٍ ومبانى، وارتفع عدد موظفي المشروع بصورةٍ كبيرة. وصدر قانون مشروع الجزيرة لعام 1960م لينظّم هذا التوسع. وبذاك التوسع أصبح مشروع الجزيرة من أكبر المشاريع في العالم تحت إدارة واحدة. وكما ذكرنا من قبل فالمشروع ليس أكبر مشروعٍ في العالم كما يعتقد الكثيرون. فهناك عدة مشاريع في العالم أكبر منه مساحةً.

(3)ثالثاّ: مرحلة التدهور والبحث عن حلول – 1975م – 2005م
مع هذا التوسع بدأت مشاكل المشروع في البروز إلى السطح. فقد بدأت البنية التحتية التى تمّ إنشاؤها قبل أكثر من أربعين عاماّ في التآكل والتدهور، وبدأت أسعار القطن العالمية في التدنى وارتفعت تكلفة الإنتاج بصورة حادة بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وزاد الوضع سوءاّ بسبب التقلب في السياسات الاقتصادية والزراعية في السودان في السبعينيات.
برزت أيضاً في هذه الفترة مشكلة الأراضي الملك الحر. فقد انتهى عقد الإيجار عام 1967 وطالب بعض الملاك بإعادة أراضيهم إليهم بينما طالب آخرون برفع قيمة الإيجار ليواكب الغلاء وتدهور الجنيه السودانى، وفي بداية السبعينيات توقّف الملاك عن استلام الإيجار حيث أنه لم تعد له قيمة.
امتدّ التدهور ليشمل خزاني سنار والروصيرص. فبسبب كميات الطمي التى يأتى بها النيل الأزرق من الهضبة الإثيوبية فقد خزان سنار جزءاً كبيراً من إمكانياته التخزينية وبدأت هذه المشاكل نفسها تعترى خزان الروصيرص وقنوات الّرى بالمشروع، ولم تعد مياه الرّى تصل بعض الحواشات بسبب تراكم الطمي والأعشاب في هذه القنوات.
تكونت في هذه الفترة عُدة لجان، الواحدة بعد الأخرى، لدراسة هذه المشاكل ومحاولة إيجاد الحلول لها. وقد كان من أهم التوصيات توصية إلغاء نظام الحساب الجماعي واستبداله بالحساب الفردي والتى طُبّقت عام 1981م. أثار ذلك التغيير جدلاً حاداً في أوساط المزارعين والمهتمين بأمر المشروع، بين مؤيدٍ يرى في ذلك التغييرأملاً في حلحلة مشاكل المشروع، ومعارضٍ يرى فيه طعنةً لنظام التكافل الاجتماعى الذى ساد المشروع لأكثر من نصف قرن من الزمان.
وعلى الرغم من أن البنك الدولي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومانحين آخرين قد مولوا إعادة تأهيل المشروع بمبلغ فاق المائتى مليون دولار، إلّا أن هذا الجهد لم يكن كافياً لأنْ يعيد للمشروع فاعليته بسب عدم مصاحبة إعادة التأهيل بالإصلاح المؤسسى. ولم يغيّر صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 1984م شيئأ في أمر هذا التدهور على الرغم من زيادة تمثيل المزارعين في مجلس الإدارة.

(4)رابعا:مرحلة قانون 2005م وآثاره ومستقبل المشروع
اتسمت تقارير اللجان المختلفة التى كُوّنت للنظر في أمر مشروع الجزيرة بالاختلافات في مرتكزاتها وتحليلاتها لمشاكل المشروع، وعليه فقد اختلفت وتضاربت توصياتها. غير أن عدداً من هذه اللجان اتفقت على ضرورة إعادة النظر في مسألة الشراكة، وأيضا على دور الزراع في علاقات الإنتاج خصوصا مسالة التركيبة المحصولية. في هذا الأثناء كانت مشاكل زراعة القطن آخذةً في الازدياد وأسعاره العالمية آخذةً في التدهور.
عليه لم يكن أمراً مستغرباً بالنسبة للذين تابعوا تطورات ومتغيرات المشروع أن يقوم قانون 2005م بإدخال وتقنين مبدأ حرية اختيار المحاصيل. هذا التغيير الجذرى لم ينه فقط الارتباط التاريخى بين المشروع ومحصول القطن وإنما أنهى أيضاً ما تبقى من محاور علاقات الإنتاج وقلّص بصورةٍ كبيرة دور مجلس إدارة مشروع الجزيرة، خصوصاً فيما يختص بتمويل القطن والإشراف على زراعته. ونتيجةً لهذا برزت مسألة التمويل بصورةٍ حادة، وبرزت معها أيضاً مسألتا التسويق والضرائب والجبايات العالية المفروضة على المزارع. ولكن كبرى المشاكل ما تزال هي إعادة تأهيل قنوات الرّي بالمشروع، ومسألة التكلفة وكيفية تمويلها.

(5)ونختتم هذه المقالات من حيث بدأناها. فكما ذكرنا من قبل، فإن قنوات الرى هى شريان المشروع. وقد أشار قانون 2005م إلى أن تسليم قنوات الحقل لروابط مستخدمى المياه يتم بعد تأهيل هذه القنوات، وهذا اعتراف واضح من القانون )والمسؤولين) بالوضع غير الفعال لهذه القنوات. كما تجب الإشارة إلى أن المشروع يستهلك سنويا حوالي 8 مليار متر مكعب من المياه من حصة السودان البالغة 18,5 مليار بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959م (أى أن المشروع يستهلك حوالي 40% من حصة السودان). ولكنّ الاستخدام غير المرشّد وغير الكفء لهذه الكمية الكبيرة من المياه بسبب تدهور القنوات ومشاكل إدارة المياه سيظل عقبةً كبرى ليس فقط للمشروع وإنما للسودان نفسه في نقاشه ومفاوضاته مع الدول المشاطئة الأخرى لنهر النيل. وكما هو معروف فإن هذه الدول بدأت تطالب بحقوقها في مياه النيل.
يقودنا هذا إلى دور روابط مستخدمي المياه في مشروع الجزيرة. وقد أشرنا إلى الدور الفعّال الذى تقوم به هذه الروابط في دولٍ كثيرة من العالم في إدارة مياه الرّى. ففي بعض هذه الدول تدير اتحادات روابط مستخدمى المياه القنوات الكبرى والرئيسية (وليس القنوات الصغرى فقط)، ونتجت عن هذا وفوراتٌ كبيرة في المياه وفي تكلفة الصيانة والتشغيل. ولابدّ من التأكيد أن هذه الروابط ليست سوى جمعياتٍ تعاونية ينتخبها أعضاؤها بطريقة ديمقراطية ويحاسبونها وفق اللوائح المنظمة للرابطة. ولابد كذلك من الإشارة إلى أن إدارة قنوات الرى بواسطة هذه الروابط تحكمها اتفاقية مع إدارة المشروع، وأن هذه الروابط ملزمةٌ بتطبيق بنود الاتفاقية. ولكن روابط مستخدمي المياه بمشروع الجزيرة تفتقر إلى التدريب والخبرة، بالإضافة إلى افتقادها الاستقلالية الإدارية والمالية، ومطلوبٌ منها إدارة وصيانة قنواتٍ تحتاج إلى تأهيلٍ كاملٍ.

(6)إنّ العالم يواجه اليوم أزمة غذاء حادة تتمثل في الارتفاع الجنونى لأسعار السلع الأساسية بسب قلة العرض. وقد تأثرت حتى الآن أكثر من 22 دولةً بهذه الأزمة، ويتعرض أكثر من مائة مليون نسمة في هذه الدول للجوع بسبب نقص الغذاء. وقد بلغت هذه الأزمة مداها عندما أوشك محصول الأرز على الاختفاء من الأسواق العالمية عام 2007م بسبب توقف الدول المنتجة (تحديدا تايلاند والهند والصين وفيتنام) عن تصديره. وقد ارتفع سعر الطن من الأرز خلال الأعوام الثلاثة الماضية من 300 دولار إلى حوالي 1000 دولار. أما بالنسبة للقمح فقد قلت الكميات المنتجة في استراليا والصين بسبب الجفاف وتوقفت الأرجنتين وأوكرانيا عن تصدير القمح لفترةٍ من الوقت وعاودت التصدير لاحقاً ولكن بكمياتٍ محدودة. نتج عن هذا أن تضاعف سعر الطن من القمح خلال الأعوام الثلاثة الماضية من 200 دولار إلى حوالي 500 دولار. وقد حدث نفس الشىء بالنسبة للذرة الشامية وفول الصويا وانعكست هذه الزيادات في الأسعار كذلك على السلع الغذائية الأخرى.
لقد أوضحت الأمم المتحدة العام الماضي أن أكثر من ثلاثين دولةً قد أوقفت تماماً أو قلّلت بقدرٍ كبير تصدير المواد الغذائية خارج حدودها، أو فرضت عليها رسوماً جمركيةً عالية، أو قيوداً أخرى مثل تحديد الكميات التى يمكن تصديرها. حاولت بعض الدول مثل اليابان وسويسرا اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية لإرغام هذه الدول على وقف هذه الإجراءات الحمائية ولكن اتضح أن معاهدة المنظمة لا تعطيها الحق في التدخل في مثل هذه الإجراءات، وأن كل ما تفرضه المعاهدة على هذه الدول هو أن تقوم تلك الدول بإخطار المنظمة نيتها في اتخاذ هذه الإجراءات لا أكثر. وكان قد اتضح من قبل محدودية إمكانية المنظمة في التدخل لوقف ذلك الدعم الضخم الذى تقدمه الدول الصناعية لمزارعيها والذى أفقد مزارعي الدول النامية القدرة على التنافس.
لقد بدأت الدول المختلفة تتعامل مع هذه الأزمة بشتى السبل مُركّزةً على مسألة إدارة المياه. فقد قررت الصين، بسبب الجفاف والنمو السكانى وازدياد الطلب على المواد الغذائية بازدياد الطبقة الوسطى، اتخاذ كل الإجراءات المطلوبة لرفع معدّل إنتاجية الفدان الواحد من طنٍ واحد للقمح لتصل الآن إلى قرابة الطن ونصف الطن من القمح للفدان، بينما اتخذت الكثير من الدول مثل الهند والمكسيك والفلبين قرارات متعددة لترشيد استهلاك المياه في مجال الرّي. وتسارعت وتيرة الإصلاح المؤسسى لقطاعي الزراعة والرّي في عددٍ كبيرٍ من دول العالم. وبسب شح المياه في كثير من هذه الدول فقد تركّزت الجهود على تحسين أداء الأراضى المعمّرة أصلاً بدلاً من استصلاح أراضي جديدة تحتاج إلى استثماراتٍ ضخمةٍ ومياه جديدة قد لا تكون متوفرةً أصلاً.

(7)إن مشروع الجزيرة بتجربته التاريخية الطويلة والثريّة، ومساحته الواسعة، وإمكانياته المتاحة الهائلة يستطيع ببعض الجهد والإرادة السياسية أن يوفّر للسودان احتياجاته الغذائية من القمح (الذي يستورد السودان حوالي 85% من احتياجاته منه)، وأن يوفّر لولاية الجزيرة احتياجاتها من الذرة. ولكنّ هذا الحلم لن يتحققَ إلّا باتّباع السياسات السليمة فيما يتعلق بإدارة المياه بعد تأهيل قنوات الرّي تأهيلا كاملاً، لأن قضية الرّي هي عنق الزجاجة في الوقت الحاضر في مشروع الجزيرة. ولا بدّ بالضرورة أيضاً من معالجة مشاكل الضرائب والجبايات العالية (المركزية والولائية والمحلية، بالإضافة إلى الضرائب غير المباشرة على مدخلات الإنتاج)، ومشاكل التسويق المُتمثِّلة في الوسطاء من بنوك وشركاء وأفراد، وكذلك مشاكل التمويل. كذلك لا بدّ من توضيح ما تبقى من علاقات الإنتاج بين المزارعين وإدارة مشروع الجزيرة. وقتها سيجد المزارع ما يكفي من الحوافز لكى يضع جلّ طاقته في الإنتاج، غير مُتخوّفٍ من مشكلة العطش وسلاح الضرائب والجبايات، ويساهم مساهمةً فعّالةً في حلحلة مسألة الأمن الغذائى والتى هى بلا شك هاجس كل الشعب السوداني، خصوصاً بعد أن فقد السودان حوالي 75% من عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان.

بالتزامن مع جريدة الأحداث

Comments

comments

Print Friendly, PDF & Email

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن