لمحة تأريخية: حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان 1965

الحزب الشيوعي

مساء الإثنين 9/11/1965 نظمت جبهة الميثاق الإسلامي (الإخوان المسلمين) ندوة في معهد المعلمين العالي في إمدرمان. ودار نقاش حول موضوع البغاء. فنهض طالب أعلن أنه ماركسي، وقال إن الزنا كان يمارس في بيت الرسول وخاض في حديث الإفك. وفجر الحديث مشاعر غاضبة وسط جمهور الطلبة،وأصدرت تنظيماتهم بيانات تدين الطالب وتطالب بمعاقبته. كما أصدرت رابطة الطلبة الشيوعيين بيانآ وضحت فيه أن الطالب ليس عضوآ في الحزب الشيوعي بل هو يصدر صحيفة حائطية يهاجم فيها الحزب. أما الإخوان المسلمين فقد حولوا المعركة نحو الحزب الشيوعي مصرّين علي أن الطالب عضو فيه، واتهموا الحزب بالكفر والإلحاد.
وتصاعد الموقف يوم الجمعة عندما خرجت عدة مظاهرات نظمها الإخوان في أمدرمان بعد الصلاة. واتجه المتظاهرون إلي منزل إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة. فخطب فيهم مؤكدآ أن الحكومة والجمعية التأسيسية ستضع حدآ لهذا الفساد، وإن لم تفعل فإنه سينزل معهم إلي الشارع لتطهير البلد . وكان ذلك منعطفآ حاسمآ وخطيرآ في تطور الأزمة. فدخول أزهري بثقله السياسي وبشعبيته حمل المعركة خارج قدرت الإخوان المسلمين المحدودة. كما أن أزهري قرر ما ستتخذه الجمعية التأسيسية بالنسبة للقضية قبل طرح الأمر عليها. ودخل أيضآ الإمام الهادي إلي المعركة واستدعي مجموعات من الأنصار إلي العاصمة.
ويبدو أن الأحزاب السياسية قررت إستغلال الحادث لتصفية حساباتها مع الحزب الشيوعي فدفعت بأعداد من مؤيديها لمهاجمة دور الحزب بالأسلحة وبأسلوب همجي أطلق عليه عبد الخالق “عنف البادية” وازداد تصاعد الموقف عندما قامت بعض جماهير الأحزاب بمحاصرة البرلمان مطالبة بحل الحزب الشيوعي. وتراجع موضوع الطالب الصفيق.
إجتمعت الجمعية التأسيسية في 15 نوفمبر 1956 وبدأت سلسلة الإجراءات العجولة، حيث علقت اللوائح وخرق الدستور واستخف بالأعراف والتقاليد السياسية والبرلمانية وأهينت الثقافة وامتهن الفكر.
فما الذي حدث؟ تقدم محمد أحمد محجوب زعيم الجمعية ورئيس الوزراء يطلب إلي رئيس الجمعية برفع المادة 25 ( من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر عاجل. ثم قرأ الرئيس اقتراحآ تقدم به ستة أعضاء يقول ” أنه من رأي الجمعية التأسيسية بالنسبة للأحداث التي جرت أخيرآ في العاصمة والأقاليم وبالنسبة لتجربة الحكم الديموقراطي في البلاد وفقدانه الحماية اللازمة لنموه وتطوره أنه من رأي الجمعية التأسيسية أن تكلف الحكومة للتقدم بمشروع قانون يحل بموجبه الحزب الشيوعي السوداني ويحرم بموجبه قيام أحزاب شيوعية أو أحزاب أو منظمات أخري تنطوي مبادئها علي الإلحاد أو الإستهتار بمعتقدات الناس أو ممارسة الأساليب الدكتاتورية”.

لمحة تأريخية: حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان 1965

وأعقب ذلك مناقشات مطولة هذه بعضها:

نائب الدائرة 187 :-
إن الشيوعية لا تؤمن بالديموقراطية ولا بوجود الله وتنظر إلي الدين مجرد مخدر للشعوب ودستورهم إلا ذر للرماد في العيون وأضاف بأن الشيوعية أفسدت الشباب وجعلتهم يدمنون شرب الخمر وتعاطي المخدرات.

نائب الدائرة 40 (محمد الكاروري)..
إن النظرية الشيوعية لا تؤمن بوجود الله وتري الحياة مادة والقرآن أساطير والسيرة خرافة والأنبياء أفاكيين.

وزير العدل (محمد إبراهيم خليل) :

بسم الله الرحمن الرحيم وكان لا بد أن أبدأ باسم الله لأرد علي الحزب الشيوعي الذي يستهل حديثه بإسم الإلحاد. ثم يستطرد أن الجمعية التأسيسية لن تحل الحزب الشيوعي بإسم الإلحاد بل بإسم الله والدين والوطن والتقاليد والأخلاق السمحة. وأكد أنه ليس من المهم إن كان الطالب شيوعي أو غير شيوعي لآننا نعرف أنه يسير بوحي العقيدة الشيوعية.

حسن الترابي :
ذهب الدكتولر حسن الترابي العميد السابق لكلية الحقوق إلي أن حديث الطالب الغر ليس هو السبب الذي به يطالبون حل الحزب الشيوعي وضرب مثلآ بالرصاصة التي صرعت القرشي في 21 أكتوبر والتي أدت إلي ثورة ضد الحكم العسكري. فالثورة التي إندلعت لم تكن من أجل الإنتقام للقتيل (ولم يقل الشهيد). ولذلك فإن حديث طالب المعهد كان الشرارة التي أخرجت الناس للمطالبة بحل الحزب الشيوعي. ووجه للحزب الشيوعي خمس تهم هي : الإيمان ، الأخلاق، الديمقراطية، الوحدة الوطنية ، والإخلاص للوطن.

حسن بابكر الحاج نائب الدائرة 3 عن الوطني الإتحادي :

قال : إن هناك طالبآ سفيهآ يقال إنه أساء للرسول الكريم والدين الإسلامي فقامت مظاهرات أمها المسلمون تطالب بحل الحزب الشيوعي. والنفترض أن أحد أعضاء الحزب الوطني الإتحادي تفوه بمثل ما تفوه به الطالب السفيه فماذا يكون موقف الوطني الإتحادي؟ ثم خاطب النواب قائلآ : رجائي أن تتركوا الحماس جانبآ وتحموا الديموقراطية التي عادت إلينا بعد تضحيات لم نبذل مثلها في معركة الإستقلال ، فتأكدوا أنها ستنزع برمتها منكم كما أنتزعت في الماضي… ولا أريسد أن أسجل حربآ علي الديموقراطية. فخيرآ لأبنائي أن يدفنوني شهيدآ من شهداء الديمقراطية بدلآ من أن أعيش حيآ في عهد وأد الديموقراطية”.

محمد إبراهيم نقد (دوائر الخريجين) .

تناول من ضمن ما تناول حديث الترابي فقال إن الحديث عن الأخلاق يكثر في هذا المجلس وذلك كلما واجه المجلس أزمة حقيقية تجاه حل القضايا الكبري. وقد يكون الحديث عن الأخلاق ذا قيمة وينبقي المحافظة عليه. ولكن التحدث عن الأخلاق عند بروز الأزمات يوضح أين تكمن الأخلاق الجريحة. ثم قال إن تصريحات الدكتور الترابي متضاربة، ومن المهم أن يواجه الإنسان خصمآ سياسيآ له رأي واضح أما التذبذب والتلون في المبادئي والأخلاق فلا أجد نفسي في حاجة للرد عليه. وأشار إلي أن النظريات الإجتماعية لا توضع للمناقشة هكذا في البرلمانات فهي لها مجال آخر. ولذلك فإن مناقشة النظرية الماركسية بهذا الأسلوب تطاول ما بعده تطاول.
وأكد أن الحزب الشيوعي بريئ من تهمة الإلحاد التي يحاولون إلصاقها به. وموقف الحزب من الدين واضح في دستوره وفي تأريخه الطويل وتأريخ أعضائه. ثم قال “نحن لا نقول هذا الحديث عن خوف، وإننا لا نخاف، فلم نتعود الخوف في الماضي ولن نتعوده اليوم” .

وأجيز الإقتراح بأغلبية 151 ومعارضة 12 وإمتناع 9 . وعندما قدم المشروع في مرحلة القراءة الأولي في جلسة اليوم التالي 16 نوفمبر لإتضح أن المواد 3،4،5، من المشروع تتعارض مع نص المادة الخامسة من الدستور التي تحرم المساس بالحريات العامة. فطلب زعيم الجمعية تأجيل النظر للقراءة إلي اليوم التالي . وفي جلسة 17 نوفمبر تقدمت الحكومة بمشروع قانون لتعديل المادة الخامسة من الدستور في مرحلة القراءة الأولي
في جلسة 18 نوفمبر. ثم عرض المشروع للقراءة الثانية ومرحلة اللجنة في جلسة 22 نوفمبر وأجيز بأغلبية 145 ومعارضة 25 وامتنع عضوان.

ثم ظهرت مشكلة جديدة . فتعديل الدستور يتم بثلثي أعضاء الجمعية مكتملة وعددهم 156 ولك التعديل أجيز بأغلبية 145 وهم ثلثي أعضاء المجلس الذي لم تكتمل عضويته لعدم قيام الإنتخابات في الجنوب وكان قد عدل الدستور من قبل بنفس الطريقة الخطأ. وكان ذلك التعديل خاصآ بمجلس السيادة الذي يتكون من خمسة أعضاء وتكون الرئاسة دورية بينهم. فعدل الدستور ليصبح للمجلس رئيس دائم هو إسماعيل الأزهري وذلك من أجل التوازنات السياسية. فأخذ رئيس المجلس بتلك السابقة وأجاز التعديل بدون نصاب قانوني.

ثم ظهرت مشكلة ثالثة وهي أن التعديل يحرم قيام أحزاب شيوعية ولكنه لا يمنع وجود النواب الشيوعيون في الابرلمان الذين ثارت كل الضجة من أجل إخراجهم منه. فتقدمت الحكومة بمشروع قانون لتعديل الدستور للمرة الثانية لسحب العضوية من النواب الشيوعيين. وأجيز المشروع في مرحلة اتلقراءة الأولي في جلسة 7 ديسمبر. وفي مرحلة القراءة الثانية واللجنة والقراءة الثالثة أيضآ في جلسة اليوم التالي 8 ديسمبر. وفي جلسة 16 ديسمبر تقدم حسن الترابي بمسألة مستعجلة تقول : إنه من رأي هذه الجمعية أن تقرر أنه بحكم الدستور والقانون قد سقطت العضوية من الأعضاء الشيوعيين الثمانية (إستثني القرار الأعضاء الثلاثة الذين أيدهم الحزب الشيوعي) وأن تكلف رئيسها بحفظ النظام بإبعاد هؤلاء الأفراد. ” واعترض عز الدين علي عامر (دوائر الخريجيين) علي الإقتراح المقدم للأسباب التالية: :
(1) للأنه يتنافي مع المادة 33 (8 ) من لائحة الجمعية التأسيسية التي تنص علي عدم جواز عرض أي موضوع قيد النظر أمام المحكمة. وهناك قضية دستورية رفعها الحزب الشيوعي أمام المحكمة العليا.
(2) إن إسقاط العضوية ليس من حق المجلس ويتعارض مع المادة (49) من الدستور.

(2) حسب الإجراءات العتيقة يجب إخطار العضو الغائب ليحضر للدفاع عن نفسه.

(3) حسب الإجراءات العتيقة يجيب إخطار العضو الغائب ليحضر للدفاع عن نفسه

(4) هذه الجمعية لها حق التشريع وليس لها حق التنفيذ وفي هذا خرق لمبدأ إستقلال القضاء

لم يؤخذ بالإعتراضات. وحلت الجمعية الحزب الشيوعي وطردت نوابه منها.

ولكن القضية لم تنتهي عند ذلك الحد. فتفرعت منها مواقف شعبية وقضايا قانونية. فاستنفر الحزب الشيوعي النقابات العمالية والمهنية. وتضامن معه حزب الشعب الديموقراطي. فخرجت مسيرات في مدن البلاد وبلغت المسيرة في العاصمة 60 ألف. وتكونت هيئة الدفاع عن الديمقراطية.

رفع الحزب الشيوعي ثلاثة قضايا دستورية. الأولي ضد تعديل الدستور، والثانية ضد قرار الحل، والثالثة ضد طرد النواب.
وأدي رفع القضايا الدستورية إلي نقل الأزمة من إطار التهريج بإسم الدين ووضعها في حجمها السياسي. وقبلت الأحزاب الإحتكام إلي القضاء. أي قبلت المنهج الديمقراطي السياسي. واستغرق نظر القضية أمام المحكمة قرابة العام وفي 22/12/1966 أعلن قاضي المحكمة العليا صلاح حسن الحكم في القضية. فأعلن أن الحريات المنصوص عليها في المادة الخامسة من دستور السودان المؤقت المعدل لسنة 1964 لا يجوز الحد منها بتشريع أو تعديل دستوري. وحكمت المحكمة بعدم دستورية التعديلات التي أجيزت يوم 22/11/1965 وإلغاء كل ما تعلق عليها من تشريع وإعتباره كأن لم يكن. وأصبح الحكم سابقة قضائية يرجع إليها فقهاء القانون في العالم وفي 20/02/1967 أصدرت محكمة مديرية الخرطوم حكمها في القضيتين المتعلقتين بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. فقضت ببطلان القرارين لتعارضهما مع الحقوق الأساسية التي نصت المحكمة العليا بأنها حقوق لا تقبل التعديل.

ولم تنته الأزمة بقرار المحكمة العليا بل أخذت تتصاعد فأعلن الصادق المهدي رئيس حزب الأمة أن حكم المحكمة العليا حكم تقريري، ونسف بذلك أساس الديموقراطية اللبرالية التي يقف اليوم مدافعآ جسورآ عنها. ورفضت الأحزاب التي شاركت في المهزلة حكم القضاء. وإنتقلت المعركة ضد المؤسسة القضائية وإستقلال القضاء. مما دفع برئيس القضاء بابكر عوض الله بتقديم إستقالة مدوية إلي رئيس وأعضاء مجلس السيادة. واختتمها قائلآ “إنني عملت مافي وسعي لصيانة إستقلال القضاء منذ أن كان لي شرف تضمين ذلك المبدأ في ميثاق أكتوبر ولا أريد لنفسي أن أبقي علي رأس الجهاز القضائي لآشهد عملية تصفيته وتقطيع أوصاله وكتابة الفصل المحزن الأخير من فصول تأريخه.
وبعد شهر من قرار المحكمة العليا أصدر الترابي كتابآ في يناير بعنوان (أضواء علي المشكلة الدستورية) “بحث قانوني مبسط حول مشروعية حل الحزب الشيوعي”. وتولت مطبعة الخرطوم طباعته . والفكرة الأساسية في الكتاب أن الجمعية التأسيسية هي الجهة المناط بها ممارسة السلطة الدستورية وهي مظهر السيادة التي تثبتها الدساتير للأمة من بعد الله. وبما أن السلطة التأسيسية هي التي تمتلك السيادة المطلقة فإن فصل السلطات إلي تشريعية وتنفيذية وقضائية تأتي في المرتبة الثانية بالنسبة للسلطة التأسيسية ، تأتي في مقام الفرع من الأصل.
ويثير كتاب الترابي العديد من الأسئلة : إذا كانت المحكمة العليا ليس لها حق النظر في قرارات الجمعية التأسيسية فلماذا عرض عليها الأمر من البداية؟. ومن الذي يحكم البلاد هل هو دستور السودان المؤقت لسنة 1964 الذي ينص علي إستقلال القضاء ويعطيه الحق في تفسير ما ينشب من خلاف حول تفسير بعض نصوصه أم الجمعية التأسيسية التي يمنحها الدستور سلطات محدودة وليست أحكامها كما يقول الترابي تعلو ولا يعلي عليها. وهل لأن الجمعية التأسيسية مكلفة بوضع دستور البلاد تصبح فوق الدستور الذي يحكم البلاد؟ يبدو أن الترابي لم يفرق بين الإجابة علي أسئلة أمتحان ببراعة الطالب النبيه وتناول قضايا تخص مستقبل أمة.

وأدرك الأستاذ محمود محمد طه ما في الكتاب من إضطراب فألف كتابآ في الرد عليه بعنوان “زعيم جبهة الميثاق الإسلامية في ميزان : الثقافة الغربية-الإسلام، أضواء علي المشكلة الدستورية”. فقال أن الكتاب من حيث هو فلا قيمة له ولا خطر ، لأنه متهافت، ولأنه سطحي، وللأنه ينضح بالغرض ويتسم بقلة الذكاء الفطري”.

تحدث الصادق المهدي إلي مجلة طلاب جامعة الخرطوم عام 1985 فقال : “ما حدث كان إنفعال…إن الذي حدث في موضوع حل الحزب الشيوعي كان موقفآ سياسيآ غير محسوب نتج عن موقف إنفعالي.. ولكن يجب أن أقولها أنه يجب الإستفادة من تجارب الماضي الأولي…إن حديث الطالب في معهد المعلمين فجر المشاعر….وإن مثل الذي حدث قد يتكرر”.
ولكن مثل حديث السيد الصادق هذا لا يساعد علي تجنب أخطاء الماضي. إن الذي حدث يجب أن يتخطي الإعتذار والتبرير إلي المواجهة الصريحة والمحاسبة الصارمة .

منقول
المصدر معالم في تأريخ الحزب الشيوعي السوداني.
دكتور القدال
الناشر دار الفارابي بيروت
الصفحات 147 إلي 158

Comments

comments

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن