ندى القلعة … ثقافة الاختلاف و الممانعة

ندى القلعة

د. حيدر ابراهيم علي

ذات خميس خلال هذا الشهر وبعد الساعة العاشرة مساءً، هاتفني أحد الاصدقاء الظرفاء، طالباً مني أن اضع اي شئ في يدي و ان افتح قناة (….) فقد كان يريد اخراجي من اجواء يراها جادة اكثر من اللازم بل وكئيبة. ولكنه لم يكن يدري في مثل هذه الظروف التي أعيشها بأن ” الفرح ليس مهنتي” – كما قال الشاعر محمد الماغوط. واذ بي اعود بمقال أظنه عكس المتوقع.

كان البرنامج التلفزيوني يستضيف المغنية المشهورة ” ندى القلعة” وما ان انتهى البرنامج حتى تكونت كثير من الافكار و الاستنتاجات في ذهني. ولكن ترددت في البداية في الكتابة وان يحمل المقال عنواناً عن الفنانة المثيرة للجدل. فتصورت أن عدداً من القراء سيراها مجرد ” سفاهة” أو ” عدم الموضوع” كما يقول الشباب. وقد يضيف البعض ان سفاهة الشيخ لا حلم بعدها. وتراجعت هذه المحاذير داخلي، فقد تذكرت ان المفكر البارز ادوارد سعيد، كتب عن تحية كاريوكا، كما كتب الصحافي المتميز عن نانسي عجرم، واصدرت شريفة زهور كتابا كاملا بالانجليزية عن: اسمهان المرأة، الحرب و الاغنية. لذلك، فالاهتمام الجاد والرصين بهذه الظواهر الثقافية عادي وطبيعي.

جلست الى التلفزيون فأطلت امرأة ” في كامل مشمشها” – كما يقول محمود درويش أي شديدة الاعتناء بنفسها لكي تبدأ اغنيتها قبل ان يسمع صوتها وان تقدم اغنية بصرية للمتلقي لكي تمتلكه تدريجياً وفجاءة في نفس الوقت. وبعد هذه المقدمة و التهيؤ تستطيع ان تدمج اغنيات السمع و البصر او كل الحواس و العقل. معا. وان تغيب المستمع تماما في عوالمها المختارة بعفوية وان يقع لمدة ساعتين او زمن الحفلة كله في سلطة ندى الثقافية بلا فكاك وهو لا يريد فكاكاً طوعياً ويفضل ان يكون خارج نفسه وان لا ينتهي الوقت وقد يقول للزمن ارجع يازمن – كما تقول الست ثومة.

مثلت ندى القلعة ثقافة مضادة لثقافة الهيمنة الرسمية ورغم القمع و الاموال و الجهود من قبل الدولة و الاجهزة الرسمية لفرض ثقافة مهيمنة ذات طابع ديني لم تستطيع الدولة الغاء ظاهرة ندى القلعة وغيرها من الظواهر الثقافية و الفنية التي تحرج المشروع الحضاري. وهى تحاربه وتضعفه و تتحداه دون اللجوء الى الآيديولوجيات الضخمة و مؤامرات السياسة وحتى اللجوء الى الكفاح المسلح. فهذه الظواهر تستخدم دبابيس صغيرة في تنفيس هذا البالون الضخم. وتقدم ندى القلعة ثقافة مقاومة وممانعة لا تريد ان تكون جزءا من الثقافة الكبرى، وهى ثقافة فرعية (sub – culture) ولكنها شديدة التأثير وقادرة على جذب الناس بوعي او لا وعي. فندي القلعة قادرة على حشد الاف المشاهدين و المعجبين و الفضوليين، بينما تعجز الثقافة الرسمية عن حشد الناس رغم توقف العمل وملاحقة الموظفين و الموظفات، وتحضير الباصات ووجبة فطور. ويمكن لها ان تدخل في تحدي: من يستطيع حشد الناس طوعيا في ميدان عام او استاد مستخدما سلطة قائمة على الرضا و القبول و المحبة؟

تقدم ندى القلعة ثقافة جماهيرية مختلفة بغض النظر عن تسميتها ثقافة هابطة او منحلة او غير محترمة. فقد اصبحت ايقونة ورمزاً بل ومرجعية في بعض تفاصيل مرتبطة بالشكل و الموضة و السلوك. فهي كما اسلفت ليست مجرد مغنية وصوت بل ” سلعة ثقافية” أي يمكن تداولها بانتشار و اعادة انتاج بعض عناصرها. وتدرك ” ندى” كيف تمارس سلطتها في الاختلاف، من خلال معطيات اللبس و الزينة. وهنا تحارب السلطة الرسمية بأسلحة السحر و الغموض و المغامرة. فالنظم تعتمد على الغاء الفوارق و الاختلاف و التنوع، وهى تخشى المرأة بالذات بسبب تاريخي الملعون و المشترك مع ابليس منذ بداية الخليقة. لذلك، اهتم النظام الحالي بملبس النساء و الفتيات، ومارس من خلاله عملية التنميط (standardization) وألبس طالبات المدارس ملابس الصاعقة العسكرية وفرض الحجاب. ولكن ثقافة ندى الفرعية تقدم ملبسا حديثا يثير التقليد و الاعجاب بين النساء قبل الرجال، وينتشر سريعاً. كذلك الزينة، فقد قدمت في هذا البرنامج شكلا جديداً لنقش الحناء في رسم لبيت العنكبوت المتشابك. وهذا ابداع بعيد المدى، ولكن المهم، يحكي لي احد الاصدقاء ان موضة نقش العنكبوت التي استعرضتها ندى القلعة في مساء الخميس، رآها تملأ أيدي الناس في حفل زواج مساء الأحد! ويمثل شعر المرأة احدى مشكلات وعقد العقل العربي – الإسلامي وثارت حوله معارك وواقعات عظمى. فهى قدمت شكلا للشعر بين الاخفاء و الاظهار، ان تجعله مقصوصا بطريقة غلامية (Garcon) فضحت ببعضه، عكس الشعر الطويل المثير ولكنه في نفس الوقت موجود. وقد يحرك مشاعر الخفاء و العلن، وهو في النهاية يخرج من التنميط.

يقال إن الثقافة هى سياسة المجتمع و السياسة هى ثقافة الدولة. وعندما يبرز التناقض بين الإثنين تظهر الازمة، وقد امسكت ثقافة ظاهرة ندى وغيرها من الظواهر المشابهة بالمجتمع وتركت السياسة للدولة بلا مجتمع. فالدولة تمارس السلطة بصورة مجردة (abstract) وهى غير ملموسة بين المواطنين في سلوكهم و اتجاهاتهم ورؤيتهم الشاملة. من جهة اخرى، تمارس الثقافة سلطتها من خلال حرمان الدولة آليات لا تستطيع السيطرة عليها و احتكارها، ومن بينها: اللغة و الرمز، فالدولة يمكن ان تحتكر المال و الاقتصاد و العنف الشرعي من قوانين وسجون وممنوعات، ولكن يستحيل ان تحتكر اللغة و الرموز مهما كانت قوة ووحدانية اجهزة اعلامها. والان توجد لغات عديدة للتواصل تنتشر بين فئات اجتماعية من طلاب وشباب و مجموعات اثنية ومهمشين. ولاصحاب الثقافات الفرعية آليات تحوير الثقافة الرسمية و تفريقها من مضامينها، وهى الآلية التي يسميها ليفي إشتراوس الترميق (bricolage) لوصف نمط الابداعية في الثقافة الشعبية في تفاعلها مع الثقافة الرسمية و تحويرها. و الخطوة هنا تكمن في ان عناصر او مفردات من تلك الثقافات و التي تتعالى عليها الثقافة المهيمنة تصبح جزءاً من هذه الثقافة نفسها. وهنا يمكن اعطاء مثال على ادخال الآلات الموسيقية الحديثة في المديح. وهكذا علمنت، أي جعلتها علمانية، الثقافة الشعبية التي تحب الموسيقى ولا تراها حراما او مكروها، الثقافة الدينية الرسمية و التي لم تحتج على الموسيقى في المديح النبوي لانها تريد له الانتشار بين الشباب و الفئات المهمشة، ولا نستغرب اذ جاءت محاولات لتأليف المدائح بلغة الراندوك او عربي جوبا.

تدخل ظاهرة ” ندى القلعة” ضمن ما يعرف في دراسات علم الثقافة و الاجتماع بالثقافة الجماهيرية، وقد تصنف احيانا ضمن الثقافة الاستهلاكية. ويمكن لنا في العالم الثالث النامي ان نفرق بين ثقافة التنمية وثقافة التسلية، وقد يكون الفصل صعبا ان لم تكن التسلية استهلاكية ومعطلة للتنمية. واخشى ان يكون الانطباع هو ان التنمية ترتبط بالكآبة و الحزن. وكان هذا خطأ بعض التجارب الاشتراكية التي ضحت بالفرح و الاجيال من اجل مستقبل لم يأت. وحاول كاسترو تجنب ربط الاشتراكية بالكآبة و الحزن، ويوقل انها اشتراكية بالسامبا (Socialism with Samba) ولذلك كان الكوبيون الذين يقفون لساعات طويلة يرقصون ويغنون لكسر ضجر الانتظار. ومن الخطأ ربط الفرح و التسلية بعدم الجدية باستمرار. وفي حالة ندى القلعة هى تقاوم الكآبة و الغناء، فهى و الانقاذ يمثلان نموذجين متناقضين. تحاول ان تبث الفرح و الحياة و الحب حسب الفهم الفرويدي للايرويس او الايروسي (erotic) ومن ناحية الثانية تقدم الانقاذ ثقافة الموت و الحقد و الكراهية او ما اسماه التاتنوس – حسب فرويد. وهذا هو صراع الحياة بين غريزة الموت مقابل الحب و الحياة. وتطلق ندى اجواء من الموسيقى الراقصة وتدخل روح الفرح حتى في اغاني الفخر و المدح، وتغني القوة و الضرب و السيوف و الذبح بنغم اثيوبي يطعم الضكارة و العوارة السودانية برقة وحنان الامهرا. وهذا ابداع ابرويسي يجعل أعتى الرجال يتمايلون – او كما قال المجذوب: تلك لوسي فجفاني لوسي تلك كأس تدير اعتى الرؤوس. اظنكم رأيتم اعتى الرؤوس و العمم وهى في ساحة ندى القلعة. فهى تخاطب رجولة وضكرنة تقاعدت خلال السنوات العشرين ولا تجد تعبيرا عنها الا في اغاني وليالي ندى القلعة.

وتضرب على استيهام الرجولة بعد ان قبل الكثيرون الذل و الاذلال. فهى تمثل تعويضا نفسيا. هنالك علاقة حب /كراهية بين ثقافة ندى القلعة وثقافة الاسلامويين في جانبها الترفي. فالمجتمع السوداني يعيش – للمفارقة – ثقافة التفكك الاسري في دولة المشروع الحضاري وذلك من خلال تناقض التدين و الترف من مال و نساء. فقد حاول بعض الاسلامويين ان يجعلوا من تعدد الزوجات ظاهرة وفيهم من ينتظر ليس لرفض الفكرة ولكن لظروف وملابسات خاصة. وفي عهد المشروع الحضاري ظهرت و انتشرت اغنية ” راجل المرا حلو حلا” وقبل ايان طرق اذني غناء يقول:

تلك العجلة بره

ماقصدي المضرة

بس عايزة يطلق الضرة

ثم:

بقابلو في الصالون

وانا بشربو الليمون

انا بصافحو بالقانون

ولكن ” ندى القلعة” تمثل لديهم المرأة التي توجد هناك بمعنى المرأة المختلفة يريدونها ان تقول ما يدعون رفضه وفي عقلهم الباطني يستمتعون به.

يجرب الاسلامويون طريقة اخرى لاغتيال شخصية “ندى القلعة” من خلال ادوات اعلامية توزع هى نفسها الانحلال و التدهور الاخلاقي ونشر الفضائح. وقامت احدى الصحف الصفراء بحملة – سكت عنها مجلس الصحافة حامي الاخلاق و الاعراف الصحفية. ومازلنا نعتبر العيب و العار مرتبط بسلوك المرأة، وقد اعتذر مظفر النواب لتلك التي تبيع الجسد الغاني بينما هناك من يبيعون ضمائرهم ومواقفهم. ومن الواضح ان من قام بالحملة جاهل لقواعد ثقافة الاختلاف و التمرد التي مثلتها “ندى القلعة” فهو قد قام بدعاية و اشهار و انتشار للظاهرة من حيث لا يدري. وهى من جانبها تؤكد لامبالاتها واختلافها من خلال اغنية تقول بكل رواء صوتها وادائها الرشيق:

ما علينا ما علينا

مهما يقول الناس يقولو

ماعلينا ما علينا

وفي النهاية تغلبت ثقافة الاختلاف و الممانعة وتسعى لتأصيل نفسها دون حاجة لدعم حكومي او دعاية. ويجد انصار التأصيل من جهة اخرى، في وصول افكارهم وثقافتهم الى القواعد (grass root.) بينما ندى القلعة تنتشر و تمارس سلطتها الثقافية بكل قوة و اندفاع لجذب أناس جدد.

Comments

comments

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن